هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ابْنٌ؟

هلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ابْنٌ؟

هُنَاكَ أَفْكَارٌ يُعَارِضُهَا بَعْضُ النَّاسِ بِشِدَّةٍ لِدَرَجَةِ أَنَّهُمْ يَشْعُرُونَ بِالْغَضَبِ لِمُجَرَّدِ طَرْحِ هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ. كُلُّ مَا يَتَطَلَّبُهُ الْأَمْرُ لِإِشْعَالِ الْفَتِيلِ هُوَ اسْتِخْدَامُ عِبَارَاتٍ مُعَيَّنَةٍ—فَيَنْفَجِرُونَ غَضَبًا وَيَرْفُضُونَ سَمَاعَ كَلِمَةٍ أُخْرَى. نَرَى هَذَا النَّوْعَ مِنْ رَدِّ الْفِعْلِ بَيْنَ الْيَهُودِ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ، فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، كَانَ تِلْمِيذٌ لِيَسُوعَ يُدْعَى سْتَيفَنْ يَكْرِزُ لِحَشْدٍ مِنَ الْيَهُودِ. وَفِي خِطَابِهِ، ذَكَّرَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ أَنَّ آبَاءَهُمْ كَانُوا غَالِبًا مَا يُعَارِضُونَ الرُّسُلَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، حَتَّى أَنَّهُمُ ارْتَكَبُوا الْقَتْلَ لِإِسْكَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. عِنْدَمَا تَابَعَ سْتَيفَنْ هَذِهِ الْفِكْرَةَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مُسْتَمِعِيهِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا الشَّيْءَ نَفْسَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِيَسُوعَ، الْمَسِيحِ، يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِنَّهُمْ ”ابْتَدَأُوا يَصْرُخُونَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ“ (أَعْمَالُ ٥٤:٧-٥٨).

فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، فِي نَفْسِ مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ، كَرَزَ الرَّسُولُ بُولُسُ لِحَشْدٍ يَهُودِيٍّ مُخْتَلِفٍ. اسْتَمَعَ جُمْهُورُهُ بِانْتِبَاهٍ وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ تَحَوُّلِهِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لِيَكْرِزَ بِالْكَلِمَةِ لِلْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ. يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: ”فَكَانُوا يَسْمَعُونَ لَهُ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ قَائِلِينَ: «خُذْ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ!’… وَكَانُوا يَصْرُخُونَ وَيَطْرَحُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَقْذِفُونَ بِالْغُبَارِ إِلَى الْهَوَاءِ“ (أَعْمَالُ ٢٢:٢٢، ٢٣). يَا لَهَذَا الْعَدَاءِ تُجَاهَ فِكْرَةِ أَنَّ اللَّهَ يَهْتَمُّ، لَيْسَ فَقَطْ بِالْيَهُودِ، بَلْ بِجَمِيعِ الشُّعُوبِ الْأُخْرَى أَيْضًا! فِي الْوَاقِعِ، كَانَ بِإِمْكَانِ بُولُسَ أَنْ يُرِيَهُمْ مِنْ خِلَالِ كُتُبِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ دَائِمًا مُهْتَمًّا بِجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ وَأَعْلَنَ مُسْبَقًا أَنَّ الْأُمَمَ الْأُخْرَى سَتَتَبَارَكُ بِهِ. بِرَدِّ فِعْلِهِمُ الْمُبَالَغِ فِيهِ، حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْحَقِيقَةِ. لَمْ تَتَحْ لَهُمْ حَتَّى فُرْصَةَ سَمَاعِ الْحُجَجِ الَّتِي كَانَ بُولُسُ سَيَعْرِضُهَا لِمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى رُؤْيَةِ مَا إِذَا كَانُوا مُخْطِئِينَ أَمْ لَا.

أَطْلُبُ مِنْكُمْ، أَيُّهَا الْقُرَّاءُ، أَنْ تَكُونُوا أَكْثَرَ نُبْلًا وَعَقْلَانِيَّةً مِنْ أُولَئِكَ الْيَهُودِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ. لَا تَغْضَبُوا بِمُجَرَّدِ قِرَاءَةِ الْعِبَارَةِ الَّتِي نُرِيدُ شَرْحَهَا، وَهِيَ كَلِمَةُ ”ابْنِ اللَّهِ“. تَابِعُوا بِانْتِبَاهٍ لِتَتَمَكَّنُوا مِنْ تَقْيِيمِ مَا سَأَقُولُهُ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ.

كَلِمَةُ ”ابْن“

يَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، آيَةُ ١١٦: ”وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ“. الْكَلِمَةُ الْمُسْتَخْدَمَةُ هُنَا لِ“ابْن“ هِيَ ”وَلَد“، وَالَّتِي تُسْتَخْدَمُ فِي الْغَالِبِ بِالْمَعْنَى الْجَسَدِيِّ. وَحَقِيقَةُ أَنَّ الْقُرْآنَ، فِي نَفْيِهِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى ابْنَ اللَّهِ، يُشِيرُ عَادَةً إِلَى أَنَّ هَذَا مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ، تُظْهِرُ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْبُنُوَّةِ الْجَسَدِيَّةِ. الْمَسِيحِيُّونَ لَا يَقُولُونَ أَبَدًا إِنَّ يَسُوعَ كَانَ ابْنًا جَسَدِيًّا لِلَّهِ؛ لَقَدْ أَوْضَحْنَا سَابِقًا أَنَّ حَبْلَ يَسُوعَ، وَإِنْ كَانَ مُعْجِزِيًّا، لَمْ يَكُنْ نَتِيجَةَ عِلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ بَيْنَ اللَّهِ وَمَرْيَمَ. الْفِكْرَةُ نَفْسُهَا شَنِيعَةٌ، وَنَرْفُضُهَا بِأَشَدِّ الْعِبَارَاتِ. وَلَكِنَّ فِي الْوَاقِعِ، هُنَاكَ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرَى لِ“ابْن“، وَهِيَ ”ابْن“، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تُسْتَخْدَمُ أَحْيَانًا مَجَازِيًّا. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، آيَةُ ١٧٧، نَجِدُ مُصْطَلَحَ ”ابْنِ السَّبِيلِ“، الَّذِي يُتَرْجَمُ عَادَةً إِلَى ”الْمُسَافِر“. بِالطَّبْعِ، لَا أَحَدَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الطَّرِيقَ قَدْ أَنْجَبَ طِفْلًا حَرْفِيًّا! لَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَاقَةٌ جِنْسِيَّةٌ مَعَ أَحَدٍ، وَلَمْ يَلِدْ. هَذَا لَيْسَ سِوَى طَرِيقَةٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْعِلَاقَةِ الْوَثِيقَةِ بَيْنَ الشَّخْصِ الَّذِي يُسَافِرُ كَثِيرًا وَالطَّرِيقِ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيْهَا. بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، يُشَارُ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ أَحْيَانًا بِـ ”أَبْنَاءِ النِّيلِ“، دُونَ أَنْ يَسْتَنْتِجَ أَحَدٌ أَنَّ النَّهْرَ أَنْجَبَ بَشَرًا حَرْفِيًّا.

وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَيْضًا يَسْتَخْدِمُ كَلِمَةَ ”ابْن“ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَوِ الرُّوحِيِّ. فَهُوَ يَتَحَدَّثُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، عَنْ ”يُوسُفَ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، وَهُوَ تَفْسِيرُهُ ابْنَ الْوَعْظِ“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٣٦:٤). يَبْدُو أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُعْتَادًا عَلَى تَشْجِيعِ الْآخَرِينَ؛ لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ سِمَةً مِنْ سِمَاتِهِ. وَيُطْلِقُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَلَى الْعُصَاةِ اسْمَ ”أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ“ (أَفَسُسَ ٦:٥)، بَيْنَمَا يُسَمَّى الْأَتْقِيَاءُ ”أَبْنَاءَ النُّورِ“ (١ تَسَالُونِيكِي ٥:٥). وَفِي يُوحَنَّا ٤٤:٨، كَانَ يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ إِلَى يَهُودٍ غَيْرِ مُؤْمِنِينَ وَمُنَافِقِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لِأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذِبِ“. إِبْلِيسُ لَمْ يَلِدْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الْأَشْرَارَ جَسَدِيًّا، وَلَا هُوَ أَبٌ حَرْفِيٌّ لِلْكَذِبِ. أَنْ نُطْلِقَ عَلَى أَحَدٍ لَقَبَ ”ابْن“ أَوْ ”طِفْل“ لِشَخْصٍ أَوْ شَيْءٍ مَا يَعْنِي أَنْ نَنْسِبَ إِلَيْهِ سِمَةً، أَوْ نَشَاطًا، أَوْ طَبِيعَةً مُعَيَّنَةً. وَهَذَا لَا يُشِيرُ بِالضَّرُورَةِ إِلَى أَصْلِهِ الْبِيُولُوجِيِّ.

”ابْنِ الْإِنْسَانِ“

عِنْدَمَا تَحَدَّثَ يَسُوعُ عَنْ نَفْسِهِ، كَانَ التَّعْبِيرُ الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ أَكْثَرَ هُوَ ”ابْنِ الْإِنْسَانِ“. وَفْقًا لِمَا رَأَيْنَاهُ لِلْتوِّ، كَانَ يَسُوعُ يُشِيرُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ إِلَى أَنَّهُ اتَّخَذَ شَيْئًا مِنْ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ. مِثْلَ كُلِّ إِنْسَانٍ، عَاشَ فِي جَسَدٍ مَادِّيٍّ—مِمَّا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَبَ أَوْ يَجُوعَ أَوْ يَعْطَشَ، وَكَانَ يُمْكِنُ لِلنَّاسِ أَنْ يَرَوْهُ وَيَلْمَسُوهُ جَسَدِيًّا، وَنَعَمْ، كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ. لَقَدْ كَانَ حَقًّا إِنْسَانًا.

لَكِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ (ابْنِ الْإِنْسَانِ) كَانَ يَعْنِي شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِيِّ. خُذْ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا النَّبِيُّ دَانِيَالُ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ مِنَ الْمَسِيحِ:

”كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الْأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ وَالْأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا يَزُولُ، وَمَلَكُوتُهُ مَا يَنْقَرِضُ“ (دَانِيَالَ ١٣:٧-١٤).

بِأَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ ابْنُ الْإِنْسَانِ، كَانَ يَسُوعُ يُعْلِنُ أَنَّهُ شَخْصٌ مُمَيَّزٌ جِدًّا، شَخْصٌ تَنَبَّأَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ يُحَدِّدُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الشَّخْصُ الَّذِي، وَفْقًا لِلنُّبُوَّةِ، سَيَلْبَسُ سُلْطَانًا عَالَمِيًّا. وَرُغْمَ مَظْهَرِهِ الْمُتَوَاضِعِ، كَانَ مَجْدٌ لَا يُصَدَّقُ يَنْتَظِرُهُ.

”ابْنِ اللَّهِ“

لَكِنَّ يَسُوعَ قَبِلَ أَيْضًا لَقَبًا آخَرَ، أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلدَّهْشَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِمًا. سَوَاءُ أَعْجَبَنَا ذَلِكَ أَمْ لَا، هَذَا النَّبِيُّ مِنَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سَمَحَ لِنَفْسِهِ أَنْ يُدْعَى ”ابْنَ اللَّهِ“. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، سَأَلَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ يَوْمًا مَا رَأْيَهُمْ فِيهِ، ”فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ!“. بَدَلَ أَنْ يُوَبِّخَهُ عَلَى قَوْلِ شَيْءٍ خَطَأٍ، قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ”طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، فَإِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ“ (مَتَّى ١٧:١٦-١٨). لَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً، نَقْرَأُ أَنَّهُ ”أَوْصَى تَلَامِيذَهُ أَنْ لَا يَقُولُوا لِأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ“.

وَفِي مُنَاسَبَةٍ أُخْرَى، بَعْدَ أَنْ شَفَى يَسُوعُ رَجُلًا وُلِدَ أَعْمَى، سَأَلَهُ: ”أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللَّهِ؟“ فَأَجَابَ الْأَعْمَى: ”مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لِأُومِنَ بِهِ؟“ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ”قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!“ فَقَالَ: ”أُومِنُ يَا سَيِّدُ!“ وَسَجَدَ لَهُ (يُوحَنَّا ٣٥:٩-٣٨).

عِنْدَمَا دَعَا يَسُوعُ نَفْسَهُ ”ابْنَ الْإِنْسَانِ“، كَانَ يَعْتَرِفُ بِطَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ فِيهِ. لَكِنْ عِنْدَمَا دَعَا نَفْسَهُ ”ابْنَ اللَّهِ“، كَانَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَمْتَلِكُ أَيْضًا صِفَاتِ اللَّهِ. فَكَانَ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، بِلا خَطِيَّةٍ. يَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ، آيَةُ ١٩ إِنَّ عِيسَى كَانَ ”زَكِيًّا“. وَبِحَسَبِ الْعِبْرَانِيِّينَ ١٥:٤، ”مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلا خَطِيَّةٍ“. وَبِحَسَبِ مَرْقُسَ ١٠:٢، كَانَ لَدَيْهِ سُلْطَانٌ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا النَّاسِ. وَيَقُولُ يُوحَنَّا ٢٥:٢: ”لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ“. لِتَحْدِيدِ الْكَيْفِيَّةِ الْأُخْرَى وَالْمَدَى الَّذِي كَانَ فِيهِ لِيَسُوعَ طَبِيعَةُ اللَّهِ وَطَبِيعَةُ الْإِنْسَانِ، يَجِبُ قِرَاءَةُ كُلِّ مَا يَقُولُهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْإِنْجِيلِ. لَكِنْ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ تَفْهَمَ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَا يَسْتَخْدِمُ تَعْبِيرَ ”ابْنِ اللَّهِ“ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ الْجَسَدِيِّ. فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ ابْنَ اللَّهِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي أَكُونُ أَنَا فِيهَا ابْنَ أَبِي الْبَشَرِيِّ.

”كَيْفَ فَهِمَ الْيَهُودُ هَذَا الْمَعْنَى“

سَمَحَ يَسُوعُ لِنَفْسِهِ أَنْ يُدْعَى ”ابْنَ اللَّهِ“، وَلَكِنَّهُ بِشَكْلٍ عَامٍّ لَمْ يُعْلِنْ عَلَانِيَةً أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وَكَمَا هُوَ الْحَالُ الْيَوْمَ، كَانَ رَدُّ فِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ عَنِيفًا. نَقْرَأُ فِي يُوحَنَّا ١٧:٥-١٨:
”فَأَجَابَهُمْ: «إِنَّ أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الْآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللَّهِ“. (لَاحِظْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ قَامَ بِعَلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ مَعَ أُمِّهِ وَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْهُ بِيُولُوجِيًّا. لَا، لَقَدْ غَضِبُوا لِأَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَمْتَلِكُ نَفْسَ طَبِيعَةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ.)

عِنْدَمَا حَكَمَ قَادَةُ الْيَهُودِ عَلَى يَسُوعَ بِالْمَوْتِ رَسْمِيًّا، كَانَ السَّبَبُ نَفْسُهُ. ”فَقَالَ لَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الْآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا: «إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ!» (مَتَّى ٦٣:٢٦-٦٦). لَمْ يَبْذُلُوا أَيَّ جَهْدٍ لِلتَّحَقُّقِ مِنَ النُّبُوَّاتِ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانَ يَسُوعُ مُحِقًّا فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ الْمَسِيحُ. لَقَدْ قَرَّرُوا مُسْبَقًا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ.

وَعِنْدَمَا صُلِبَ يَسُوعُ، كَانَ الْمَارَّةُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: ”إِنْ كَانَ هُوَ ابْنَ اللَّهِ فَلْيُنْقِذْهُ الْآنَ!“ (مَتَّى ٤٣:٢٧). نَرَى هُنَا مَعْنًى آخَرَ لِعِبَارَةِ ”ابْنِ اللَّهِ“: فَقَدْ كَانَ يَسُوعُ يَدَّعِي أَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِعِلَاقَةٍ خَاصَّةٍ مَعَ الْآبِ السَّمَاوِيِّ. قَالَ فِي يُوحَنَّا ٢٩:٨: ”وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي وَحْدِي، لِأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ“. وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ مَوْتَهُ، صَلَّى قَائِلًا: ”أَنْتَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ“ (يُوحَنَّا ٢٤:١٧). كَانَتْ لِيَسُوعَ عِلَاقَةٌ مَعَ اللَّهِ تُفُوقُ عِلَاقَةَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ فِي الْعَالَمِ، مِثْلَ عِلَاقَةِ الِابْنِ الْوَحِيدِ، الِابْنِ الْمُطِيعِ وَالْمَحْبُوبِ، مَعَ أَبِيهِ.

→ الْمَقَالُ السَّابِقُ
هَلَ الْمَسِيحِيُّونَ يَعْبُدُونَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ؟
الْمَقَالُ التَّالِي ←
إِلَهٌ مُعَقَّدٌ