كَثِيرًا مَا يُسِيءُ الْمَسِيحِيُّونَ وَالْمُسْلِمُونَ فَهْمَ بَعْضِهِمِ الْبَعْضَ، وَهَذَا أَمْرٌ مُؤْسِفٌ. فَنَحْنُ أَحْيَانًا نَنْتَقِدُ مُعْتَقَدَاتٍ لَا يَتَبَنَّاهَا الطَّرَفُ الْآخَرُ أُسَاسًا. فَبَعْضُ الْمَسِيحِيِّينَ يَتَّهِمُونَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِدَعْمِ أَعْمَالِ الْعُنْفِ الَّتِي يَرْتَكِبُهَا مُتَطَرِّفُونَ، بَيْنَمَا هَذِهِ تُهْمَةٌ بَاطِلَةٌ. وَبِالْمُقَابِلِ، بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يُهَاجِمُونَ الْمَسِيحِيِّينَ بِسَبَبِ مُعْتَقَدَاتٍ لَا يُؤْمِنُ بِهَا الْمَسِيحِيُّونَ الْحَقِيقِيُّونَ أَصْلًا، أَوْ يَنْتَقِدُونَ تَعَالِيمَ الْمَسِيحِيَّةِ دُونَ أَنْ يَفْهَمُوهَا حَقَّ الْفَهْمِ.
جَمِيعُنَا – مَسِيحِيِّينَ وَمُسْلِمِينَ – نَعْبُدُ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ، خَالِقَ الْكَوْنِ وَمُدَبِّرَهُ. نَحْنُ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ تَعْظِيمِهِ، وَمَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، وَعِبَادَتِهِ بِإِخْلَاصٍ، وَالتَّذَلُّلِ أَمَامَ عَظَمَتِهِ، وَحُبِّهِ بِكُلِّ قُلُوبِنَا. لَكِنَّنَا نَخْتَلِفُ فِي فَهْمِنَا لِطَبِيعَةِ هَذَا الْإِلَهِ. هَذَا الِاخْتِلَافُ حَقِيقِيٌّ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْهُوَّةِ الَّتِي يَتَخَيَّلُهَا الْكَثِيرُونَ، خُصُوصًا وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ مَا يُؤْمِنُ بِهِ الْمَسِيحِيُّونَ فِي هَذَا الشَّأْنِ. (وَلِنُنْتَبِهْ أَيْضًا إِلَى أَنَّ كَثِيرِينَ مِمَّنْ يُدْعَوْنَ مَسِيحِيِّينَ يَجْهَلُونَ حَقًّا تَعَالِيمَ كِتَابِهِمُ الْمُقَدَّسِ، رَغْمَ تَوَافُرِهِ بِلُغَاتِهِمْ. فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَرْفُضَ الْمَسِيحِيَّةَ بِسَبَبِ أَخْطَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُونَهَا أَوْ لَا يُطَبِّقُونَهَا حَقَّ التَّطْبِيقِ).
”لَا تَقُولُوا: «ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ'“
كَانَ مُحَمَّدٌ – مِثْلَنَا تَمَامًا – يَتَعَامَلُ مَعَ مَسِيحِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى دِرَايَةٍ جَيِّدَةٍ بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فَمِنْ بَيْنِ الَّذِينَ حَمَلُوا اسْمَ ”مَسِيحِيٍّ“ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، كَانَ هُنَاكَ أُنَاسٌ تَخْتَلِفُ مُعْتَقَدَاتُهُمُ اخْتِلَافًا كَبِيرًا عَنْ مُعْظَمِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ مَسِيحِيِّينَ الْيَوْمَ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، تَخْتَلِفُ تَمَامًا عَمَّا يُعَلِّمُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ يُشِيرُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، آيَةَ ١٧١: ”فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ“. وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، آيَةَ ١١٦: ”وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ“. حَتَّى لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ النَّاسُ فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ لَا يَعْرِفُونَ مَا يَقُولُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ وَآمَنُوا بِآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَا آمَنَ بِهِ تَلَامِيذُ الْمَسِيحِ الْأَوَّلُونَ، وَلَيْسَ مَا تُعَلِّمُهُ الْغَالِبِيَّةُ الْعُظْمَى مِنَ الْكَنَائِسِ الْيَوْمَ.
اُنْظُرُوا إِلَى هَذِهِ النُّصُوصِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ:
تَثْنِيَةُ ٤:٦: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ“.
إِشَعْيَاءُ ٢١:٤٥-٢٢: ”أَخْبِرُوا وَقَدِّمُوا دَلِيلَكُمْ. لِيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَذَاعَ هَذَا مُنْذُ الْقَدِيمِ؟ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ؟ أَلَسْتُ أَنَا الرَّبَّ؟ وَلَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ غَيْرِي. إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ. الْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الْأَرْضِ، لِأَنِّي أَنَا اللَّهُ وَلَيْسَ آخَرَ“.
مَرْقُسُ ٢٩:١٢-٣٠: ”فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ“»“.
رُومِيَةُ ٣٠:٣: ”أَمْ هُوَ إِلَهُ الْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلْأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى لِلْأُمَمِ أَيْضًا. لِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالْإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالْإِيمَانِ“.
يَعْقُوبُ ١٩:٢: ”أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ“.
كَمَا تَرَوْنَ، فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ الْمَسِيحِيَّ لَا يُعَلِّمُ بِوُجُودِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؛ بَلْ هُنَاكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَقَطْ. وَيَجِبُ أَنْ نَضِيفَ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَا يَأْذَنُ فِي أَيِّ مَكَانٍ بِعِبَادَةِ مَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ. لَقَدْ أَخْطَأَ الْبَشَرُ عِنْدَمَا جَعَلُوا مِنْهَا إِلَهَةً. فَقَدْ دَعَتْ نَفْسَهَا بِحَقٍّ ”أَمَةَ الرَّبِّ“ (لُوقَا ٣٨:١).
”وَهُوَ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا…“
فِكْرَةٌ أُخْرَى يُدِينُهَا الْقُرْآنُ، وَالَّتِي كَانَ يُعَلِّمُهَا عَلَى الْأَرْجَحِ بَعْضُ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُزَيَّفِينَ فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ، هِيَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَامَ بِعَلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ مَعَ مَرْيَمَ لِكَيْ تَلِدَ يَسُوعَ. يَا لَهُ مِنْ كُفْرٍ! لَا أَعْرِفُ أَيَّ مَسِيحِيٍّ يَقْبَلُ مِثْلَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ الْبَشِعَةِ. يَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، آيَةَ ١٠١: ”بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ“، وَفِي سُورَةِ الْجِنِّ، آيَةَ ٣: ”وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا“. فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ، لَا يُخَاطِبُ الْقُرْآنُ كَنِيسَةَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَلَا الْكَنَائِسَ الْحَدِيثَةَ، لِأَنَّنَا لَا نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ تَزَوَّجَ مَرْيَمَ أَوْ قَامَ بِعَلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ مَعَهَا.
فِي الْوَاقِعِ، هُنَاكَ تَشَابُهٌ مُدْهِشٌ بَيْنَ قِصَّةِ حَمْلِ يَسُوعَ كَمَا وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَتِلْكَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ. اقْرَءُوا كِلَيْهِمَا، وَسَتَرَوْنَ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ مُتَطَابِقَتَانِ:
”وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلَاكُ مِنَ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلَاكُ وَقَالَ: سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! الرَّبُّ مَعَكِ. فَاضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ: مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ؟ فَقَالَ لَهَا الْمَلَاكُ: لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، فَقَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللَّهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَاكِ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ فَأَجَابَ الْمَلَاكُ: الرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللَّهِ. وَهُوَذَا نِسْيَبَتُكِ أَلِيصَابَاتُ أَيْضًا قَدْ حَبِلَتْ بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتِي تُدْعَى عَاقِرًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللَّهِ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ“ (لُوقَا ٢٦:١-٣٨).
وَالْآنَ اُنْظُرُوا إِلَى رِوَايَةِ نَفْسِ الْحَدَثِ كَمَا وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ:
”وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا“ (سُورَةُ مَرْيَمَ، الْآيَاتُ ١٦-٢١).
فِي كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ، يَتِمُّ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ سَتَحْبَلُ بِطِفْلٍ وَهِيَ عَذْرَاءُ، وَأَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، الَّذِي يَسْتَطِيعُ فِعْلَ مَا يَبْدُو مُسْتَحِيلًا فِي نَظَرِ الْبَشَرِ.
”لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ“
يَذْكُرُ الْقُرْآنُ أَنَّ اللَّهَ ”لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ“ (سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، آيَةَ ٣). صَحِيحٌ أَنَّ بَعْضَ التَّرْجَمَاتِ الْإِنْجْلِيزِيَّةِ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَسْتَخْدِمُ كَلِمَةَ ”مَوْلُودٍ“ أَوْ ”الِابْنُ الْوَحِيدُ الْمَوْلُودُ“ عِنْدَ التَّحَدُّثِ عَنْ يَسُوعَ، وَلَكِنْ دَعُونَا نَأْخُذُ الْوَقْتَ لِفَهْمِ مَا يَقُولُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَنَّهُ يُعَلِّمُ فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ مَا يَنْفِيهِ الْقُرْآنُ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ. كَمَا رَأَيْنَا لِلْتَّوِّ، لَا يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَبَدًا أَنَّ اللَّهَ قَامَ بِعَلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ مَعَ مَرْيَمَ وَأَنَّهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ”وُلِدَ“ ابْنًا. قَطْعًا لَا. هَذَا لَيْسَ مَا يُؤْمِنُ بِهِ الْمَسِيحِيُّونَ. لَا، نَحْنُ نَتَعَامَلُ مَعَ مَا يُسَمَّى فِي الْأَدَبِ بِـ”التَّجَسُّدِ“، وَهِيَ كَلِمَةٌ طَوِيلَةٌ تَعْنِي بِبَسَاطَةٍ أَنَّنَا عِنْدَ التَّحَدُّثِ عَنِ اللَّهِ نَسْتَخْدِمُ تَعَابِيرَ تُنْسِبُ إِلَيْهِ، بِشَكْلٍ مَجَازِيٍّ، صُورَةً بَشَرِيَّةً أَوْ أَنْشِطَةً بَشَرِيَّةً. كُلٌّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْقُرْآنِ يَسْتَخْدِمَانِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ اللَّغَةِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، قَدْ يَتَحَدَّثُ الْمَرْءُ عَنْ يَدِ اللَّهِ (سُورَةُ الْفَتْحِ، آيَةَ ١٠)، أَوْ وَجْهِ اللَّهِ (سُورَةُ الرَّحْمَٰنِ، الْآيَتَانِ ٢٦-٢٧)، أَوْ عَيْنِ اللَّهِ (سُورَةُ طَهَ، الْآيَتَانِ ٣٨-٣٩؛ سُورَةُ هُودٍ، آيَةَ ٣٧)؛ نَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِأَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ (سُورَةُ الْحَدِيدِ، آيَةَ ٤)، أَوْ كَمُحَارِبٍ يُسَلِّطُ سَيْفًا. عِنْدَ التَّحَدُّثِ عَنِ الْمَسِيحِ، كُتِبَ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ. نَحْنُ لَا نَأْخُذُ كُلَّ هَذِهِ اللَّغَةِ حَرْفِيًّا، وَلَكِنَّنَا نَبْحَثُ عَنِ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَهْدِفُ هَذِهِ التَّعْبِيرَاتُ الْمَأْلُوفَةُ إِلَى تَوْصِيلِهَا.
إِذَنْ مَا الْفِكْرَةُ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ ”مَوْلُودٍ“؟ ذَلِكَ يَعْتَمِدُ عَلَى السِّيَاقِ. لِنَأْخُذْ مَقْطَعَيْنِ نَجِدُ فِيهِمَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ. فِي أَعْمَالِ ١٣، كَانَ بُولُسُ يَكْرِزُ بِقِيَامَةِ يَسُوعَ. كَانَ يُحَاوِلُ إِقْنَاعَ مُسْتَمِعِيهِ أَنَّ قِيَامَةَ يَسُوعَ كَانَتْ حَقًّا تَحْقِيقًا لِلْوُعُودِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنَسْلِ دَاوُدَ، الْمَسِيَّا. فَهُوَ يَسْتَشْهَدُ بِالْمَزْمُورِ الثَّانِي، وَهُوَ نَصٌّ كَانَ يُسْتَخْدَمُ فِي تَتَوِيجِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. فِي هَذَا الْمَقْطَعِ يَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلِكِ: ”أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ“. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمَلِكَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ تَتَوِيجِهِ. لَقَدْ وُلِدَ بِالْمَعْنَى الْجَسَدِيِّ مِنْ أَبِيهِ الْبِيُولُوجِيِّ. كَلِمَةُ ”وَلَدْتُكَ“ فِي هَذَا الْمَقْطَعِ لَمْ تَكُنْ تُشِيرُ إِلَى مِيلَادِ الْمَلِكِ وَلَكِنْ إِلَى حَقِيقَةِ أَنَّ اللَّهَ اعْتَرَفَ بِالْمَلِكِ الْجَدِيدِ كـ”ابْنِهِ“ الْخَاصِّ – بِشَكْلٍ مَجَازِيٍّ طَبْعًا. اعْتَقَدَ الْيَهُودُ أَنَّ هَذَا الْمَقْطَعَ تَحَقَّقَ جُزْئِيًّا فِي الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَعَاقَبُوا عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ، وَلَكِنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ فِي الْمَسِيَّا. قَالَ بُولُسُ أَنَّ يَسُوعَ ”وُلِدَ“ بِقِيَامَتِهِ. هَذَا لَا يُشِيرُ إِذًا إِلَى وَقْتٍ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ عِنْدَمَا بَدَأَ يَسُوعُ مَوْجُودًا، وَلَا إِلَى وِلَادَتِهِ الْجَسَدِيَّةِ فِي بَيْتِ لَحْمٍ.
فِي مَقَاطِعَ أُخْرَى نَجِدُ تَعْبِيرَ ”الِابْنُ الْوَحِيدُ الْمَوْلُودُ مِنَ الْآبِ“، أَوْ حَسَبَ التَّرْجَمَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، ”الِابْنُ الْفَرِيدُ“ (يُوحَنَّا ١٤:١؛ ١٦:٣). الْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَقَاطِعِ هِيَ ”monogenes“، الْمُكَوَّنَةُ مِنْ ”monos“ (وَحِيدٌ، فَرِيدٌ)، وَ“genos“ (نَوْعٌ، جِنْسٌ)، وَتَعْنِي ”فَرِيدٌ مِنْ نَوْعِهِ“. بَعْضُ التَّرْجَمَاتِ، تَبَعًا لِلتَّرْجَمَةِ اللَّاتِينِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْفُولْجَاتَا، تَرْجَمَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى أَنَّهَا ”الِابْنُ الْوَحِيدُ الْمَوْلُودُ“، وَلَكِنَّ الْكَلِمَةَ فَقَدَتْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ مَعْنَاهَا الْجَسَدِيَّ الصَّارِمَ – الْكَلِمَةُ تَتَحَدَّثُ بِبَسَاطَةٍ عَنْ تَفَرُّدِ الْمَسِيحِ كَالِابْنِ الْوَحِيدِ لِلَّهِ. عَلَى عَكْسِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُدْعُوَ رِجَالًا وَنِسَاءً ”أَبْنَاءَهُ“ لِيَشْهَدَ لِلْمَحَبَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَكِنُّهَا لَهُمْ. إِنَّ حَقِيقَةَ أَنَّ يَسُوعَ يُدْعَى ”الِابْنُ الْوَحِيدُ الْمَوْلُودُ“ تُمَيِّزُهُ بِوَضُوحٍ عَنْ هَؤُلَاءِ ”الْأَبْنَاءِ“ الْآخَرِينَ. أَقْرَبُ مُعَادِلٍ إِنْجْلِيزِيٍّ لِلْكَلِمَةِ الْيُونَانِيَّةِ ”monogenes“ هُوَ التَّعْبِيرُ ”فَرِيدٌ مِنْ نَوْعِهِ“.
هُنَاكَ أَفْكَارٌ أُخْرَى نَحْتَاجُ إِلَى أَخْذِهَا فِي الِاعْتِبَارِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِطَبِيعَةِ اللَّهِ وَالْعَلَاقَةِ الْمَوْجُودَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَلَكِنْ نَأْمُلُ أَنْ نَكُونَ قَدْ صَحَّحْنَا بَعْضَ الْمَفَاهِيمِ الْخَاطِئَةِ حَوْلَ مَا يُؤْمِنُ بِهِ الْمَسِيحِيُّونَ: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ؛ وَلَا يُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ قَامَ بِعَلَاقَةٍ جِنْسِيَّةٍ مَعَ مَرْيَمَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ أَنَّ يَسُوعَ ”وُلِدَ“ حَرْفِيًّا أَوْ جَسَدِيًّا.