وَضَعَ الْإِسْلَامُ لِنَفْسِهِ الْمَهْمَةَ النَّبِيلَةَ الْمُتَمَثِّلَةَ فِي الدِّفَاعِ دَائِمًا عَنْ شَرَفِ اللَّهِ. هَلْ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَجِدَ إِعْلَانًا أَعْظَمَ لِعَظَمَةِ اللَّهِ أَكْثَرَ مِمَّا نَجِدُهُ فِي سُورَةِ ٢ مِنَ الْقُرْآنِ – الْبَقَرَةِ، آيَةِ ٢٥٥ (الْمَعْرُوفَةِ بِآيَةِ الْكُرْسِيِّ):
”اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.“
نَحْنُ الْمَسِيحِيُّونَ نَتَفَقُ تَمَامًا مَعَ هَذَا الْمَفْهُومِ السَّامِي لِلَّهِ الْقَدِيرِ. فَهُوَ أَعْظَمُ بِلَا حُدُودٍ مِمَّا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهُ.
لِلْأَسَفِ، فِي الرَّغْبَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ شَرَفِ اللَّهِ وَإِعْلَانِ مَجْدِهِ وَعَظَمَتِهِ، يَنْتَهِي الْأَمْرُ بِالنَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِلَى تَقْيِيدِ اللَّهِ بِطَرِيقَةٍ مَا. فَمِنْ نَاحِيَةٍ، يَرْفُضُونَ مَا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ. وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، يَقُولُونَ بِتَهَوُّرٍ أَشْيَاءَ عَنِ اللَّهِ لَا يُمْكِنُنَا مَعْرِفَتُهَا. فَهُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُعَرِّفَنَا بِطَبِيعَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ.
”اللَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ إِنْسَانًا“
نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ، مَهِيبٌ وَمَجِيدٌ، يُفَاوِقُ مَا نَسْتَطِيعُ تَخَيُّلَهُ. فَهُوَ قُدُّوسٌ تَامًّا، عَادِلٌ وَنَقِيٌّ. سُلْطَانُهُ الْمَلَكِيُّ مُطْلَقٌ، وَعِلْمُهُ كَامِلٌ. عِنْدَمَا نُحَاوِلُ مُرَاعَاةَ كُلِّ عَظَمَتِهِ، قَدْ نَجِدُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُولِ، بَلْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ تَصَوُّرَهُ، أَنْ يَتَجَرَّدَ مِنْ مَجْدِهِ وَيَتَوَاضَعَ لِيَأْخُذَ شَكْلَ إِنْسَانٍ حَقِيرٍ وَفَانٍ، وَيَعِيشَ وَسَطَ الْخُطَاةِ، بَلْ وَيُعَانِيَ لِأَجْلِهِمْ. لَا يَلِيقُ بِالْكَائِنِ الْأَعْلَى أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ كَرَامَتِهِ وَيَتَوَاضَعَ بِهَذَا الشَّكْلِ. وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ. وَفْقًا لِمَا يَقُولُهُ الْمَسِيحِيُّونَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمَحَ لِأَشْرَارٍ بِأَنْ يُسِيئُوا مُعَامَلَتَهُ ظُلْمًا، وَعَذَّبُوهُ وَقَتَلُوهُ فِي النِّهَايَةِ. قَدْ نَسْتَنْتِجُ طَبِيعِيًّا أَنَّ هَذَا بِبَسَاطَةٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
لَكِنَّنَا نُؤْمِنُ أَنَّهُ بِمَا أَنَّ اللَّهَ حُرٌّ تَمَامًا، وَسَيَادِيٌّ وَكُلِّيُّ الْقُدْرَةِ، فَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ. الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الْمُسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ هُوَ أَنْ يُخْطِئَ. فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يَقُولُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ يَكْذِبَ اللَّهُ (تِيطُسَ ٢:١؛ الْعِبْرَانِيِّينَ ١٨:٦). فَالْكَذِبُ يَتَنَاقَضُ مَعَ طَبِيعَةِ إِلَهِ الْحَقِّ. إِبْلِيسُ هُوَ ”أَبُو الْكَذِبِ“ (يُوحَنَّا ٤٤:٨). لَكِنَّ اللَّهَ يَبْقَى أَمِينًا لِطَبِيعَتِهِ الْقُدُّوسَةِ وَالْعَادِلَةِ وَالْأَمِينَةِ. ”إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا. إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ“ (٢ تِيمُوثَاوُسَ ٢ :١٣،١٢). لِيُسَبَّحِ اللَّهُ، لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ؛ لِأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ لَيْسَ فِي طَبِيعَتِهِ أَنْ يَرْغَبَ فِي الْخَطِيَّةِ.
لَكِنْ أَنْ تَكُونَ إِنْسَانًا لَيْسَ خَطِيَّةً. فَلِمَاذَا إِذَنْ نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ إِنْسَانًا لَوِ اخْتَارَ ذَلِكَ؟ لَوْ أَنَّ ابْنَ اللَّهِ صَارَ إِنْسَانًا، لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ قُيُودَ الْوُجُودِ فِي جَسَدٍ بَشَرِيٍّ، لَكِنَّهُ لَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ كَوْنِهِ اللَّهَ. وَفْقًا لِسُورَةِ ٢٧ – النَّمْلِ، آيَةِ ٨، عِنْدَمَا اقْتَرَبَ مُوسَى مِنَ الْعَلَيْقَةِ الْمُشْتَعِلَةِ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ، ”نُودِيَ: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ“ (تَرْجَمَةُ د. مُحَمَّد مُحْسِن خَان). إِذَا تَكَرَّمَ اللَّهُ بِأَنْ يَظْهَرَ نَفْسَهُ فِي نَارٍ، أَفَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَظْهَرَ نَفْسَهُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ؟ فَالْإِنْسَانُ، بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعْظَمُ مِنَ النَّارِ. لَاحِظْ أَنَّ الْقُرْآنَ يُوَضِّحُ، وَبِحَقٍّ، أَنَّهُ حَتَّى لَوْ كَانَ اللَّهُ فِي نَارِ الْعَلَيْقَةِ، فَهُوَ يَظَلُّ مُحِيطًا بِهَا وَرَبَّ الْكَوْنِ. بِالْمِثْلِ، رُغْمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ فِي جَسَدِ يَسُوعَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَا زَالَ رَبَّ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ. حَتَّى عِنْدَمَا كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ فِي الْقَبْرِ، ظَلَّ اللَّهُ يَحْكُمُ وَيَمْلَأُ الْكَوْنَ.
مَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهُ هُوَ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ. السُّؤَالُ إِذَنْ لَيْسَ ”كَيْفَ يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُصْبِحَ إِنْسَانًا؟“، بَلْ
”لِمَاذَا قَرَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصْبِحَ إِنْسَانًا؟“
بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِمَاذَا قَبِلَ اللَّهُ أَنْ يَتَأَلَّمَ ظُلْمًا وَيُقْتَلَ لِيُخَلِّصَ الْبَشَرِيَّةَ؟ يُمْكِنُنَا أَنْ نُجِيبَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: الْمَحَبَّةُ.
”وَلَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ، مَاتَ الْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا.“ (رُومِيَةَ ٨:٥)
”نَحْنُ نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا.“ (١ يُوحَنَّا ١٩:٤)
إِذَا لَمْ نَفْهَمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَقَدْ يَكُونُ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ كِبْرِيَاؤُنَا الْكَبِيرُ الَّذِي يَمْنَعُنَا مِنْ فَهْمِ الْمَحَبَّةِ الْإِلَاهِيَّةِ، وَالَّتِي تَمَّ وَصْفُهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي ١ كُورِنْثُوسَ ٥،٤:١٣: ”الْمَحَبَّةُ تَصْبِرُ وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ وَلَا تَنْتَفِخُ… وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا“.
فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا الْقَبْضُ عَلَى يَسُوعَ، كَانَ وَحْدَهُ مَعَ تَلَامِيذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ. عَلَى مَدَى ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ كَانَ قَدْ عَلَّمَ تَلَامِيذَهُ وَأَرَاهُمْ كَيْفَ يَنْكُرُ الْإِنْسَانُ مَصْلَحَتَهُ الْخَاصَّةَ لِيَخْدِمَ الْآخَرِينَ. وَلَكِنْ، وَفْقًا لِلُوقَا ٢٤:٢٢-٢٦، لَمْ يَكُنْ تَلَامِيذُهُ قَدْ تَعَلَّمُوا الدَّرْسَ بَعْدُ. يَقُولُ هَذَا الْمَقْطَعُ:
”وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ، مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: «مُلُوكُ الْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْمُتَسَلِّطُونَ عَلَيْهِمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هكَذَا، بَلِ الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالْأَصْغَرِ، وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ».“
ثُمَّ قَامَ يَسُوعُ بِعَمَلٍ لِيُعَلِّمَ تَلَامِيذَهُ مُجَدَّدًا هَذَا الدَّرْسَ الْمُهِمَّ. فِي يُوحَنَّا ١:١٣-٥ نَقْرَأُ:
”أَمَّا يَسُوعُ، قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الْآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. فَفِي الْعَشَاءِ… قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِئْزَرًا وَاتَّزَرَ بِهِ.“
غَسْلُ أَرْجُلِ الْآخَرِينَ كَانَ عَلامَةً عَلَى الضِّيَافَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَمَلًا مُتَوَاضِعًا جِدًّا، يُنَفَّذُ عَادَةً مِنْ قِبَلِ أَقَلِّ شَخْصٍ أَهَمِّيَّةً، أَيْ صَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الْأَدْنَى. مِنْ بَيْنِ تَلَامِيذِ يَسُوعَ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ الْخِدْمَةَ الْمُتَوَاضِعَةَ لِرُفَقَائِهِ. لَكِنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ، الْمُعَلِّمَ، تَوَاضَعَ لِيَقُومَ بِهَا لِتَلَامِيذِهِ. وَتَتَابِعُ الْقِرَاءَةُ فِي يُوحَنَّا ١٣:
”ثُمَّ جَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ، فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الْآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ، لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ».“
بِإِمْكَانِنَا بِالتَّأْكِيدِ أَنْ نَفْهَمَ رَدَّ فِعْلِ بُطْرُسَ. لَمْ يَكُنْ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَقُومَ الرَّبُّ بِفِعْلٍ يُعْتَبَرُ مِنْ مَهَامِّ الْعَبِيدِ تُجَاهَ تَلَامِيذِهِ. فَقَدْ قَالَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ إِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ حَتَّى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِيَسُوعَ، وَغَيْرُ مُسْتَحِقٍّ أَنْ يَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ لِيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِيَخْدِمَ يَسُوعَ، فَهُوَ أَقَلُّ اسْتِحْقَاقًا لِأَنْ يَخْدِمَهُ يَسُوعُ. هَذَا كَانَ شُعُورَ بُطْرُسَ أَيْضًا. بِالنِّسْبَةِ لَهُ، كَمَا هُوَ الْحَالُ مَعَ النَّاسِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ الشَّخْصَ الْعَظِيمَ، الرَّجُلَ ذَا الْمَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ، لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ أَعْمَالًا مُتَوَاضِعَةً. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْدِمَهُ الْآخَرُونَ. هَذِهِ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَأْتِي مَعَ الْمَقَامِ الْعَالِي. وَكَمْ يَكُونُ هَذَا أَكْثَرَ صِدْقًا إِنْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ اللَّهِ نَفْسِهِ.
ذَكَّرَتْنَا الْآيَاتُ الْأُولَى مِنَ الْإِصْحَاحِ بِأَنَّ يَسُوعَ كَانَ وَاعِيًا جِدًّا لِمَكَانَتِهِ كَابْنٍ لِلَّهِ. لَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُمَجَّدُ قَرِيبًا، وَأَنَّهُ أَتَى مِنَ اللَّهِ الْآبِ وَأَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ الْآبِ، الَّذِي وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِحُقُوقِهِ. كَمَا يَقُولُ فِيلِبِّي ٨،٧:٢: ”لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ.“ بِالنِّسْبَةِ لِيَسُوعَ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَعَارُضٌ بَيْنَ الْعَظَمَةِ وَخِدْمَةِ الْآخَرِينَ. لَقَدْ قَالَ فِي مَرْقُسَ ٤٥:١٠: ”لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.“
عِنْدَمَا أَرَادَ بُطْرُسُ أَنْ يَرْفُضَ أَنْ يَغْسِلَ يَسُوعُ قَدَمَيْهِ، قَالَ لَهُ الرَّبُّ: ”إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ“ (يُوحَنَّا ٨:١٣). ثُمَّ تَحَدَّثَ، لَيْسَ عَنْ نَظَافَةِ الْأَقْدَامِ، بَلْ عَنِ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ. لَمْ يَكُنْ يَفْكِرُ فِي قَدَمَيْ بُطْرُسَ، بَلْ فِي نَفْسِهِ. يَسُوعُ يَغْسِلُ تَلَامِيذَهُ وَيُطَهِّرُهُمْ بِدَمِهِ، بِمَوْتِهِ عَلَى الصَّلِيبِ. قَدْ يَبْدُو غَسْلُ أَرْجُلِ تَلَامِيذِهِ أَمْرًا مُتَوَاضِعًا جِدًّا لِيَنْزِلَ لَهُ، وَلَكِنْ أَنْ يُعْتَقَلَ وَيُهَانَ وَيُضْرَبَ وَيُصْلَبَ كَانَ أَكْثَرَ إِذْلَالًا بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ يَسُوعُ مُسْتَعِدًّا لِتَحَمُّلِ كُلِّ ذَلِكَ. مَنْ يَرْفُضُ أَنْ يَدَعَ يَسُوعَ يَتَأَلَّمَ مَكَانَهُ، لَا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. لَا تُوجَدُ طَرِيقَةٌ أُخْرَى. إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ بُطْرُسُ أَنْ يَقْبَلَ أَنْ يَغْسِلَ يَسُوعُ قَدَمَيْهِ، فَكَيْفَ كَانَ سَيَقْبَلُ أَنْ يَمُوتَ يَسُوعُ لِأَجْلِهِ؟ يَجِبُ أَنْ نَسْمَحَ لِأَنْفُسِنَا أَنْ نُخْدَمَ، يَجِبُ أَنْ نَسْمَحَ لِأَنْفُسِنَا أَنْ نُخَلَّصَ بِوَاسِطَةِ يَسُوعَ، الَّذِي هُوَ ابْنُ اللَّهِ.
تَعْلِيمٌ أَسَاسِيٌّ فِي الْمَسِيحِيَّةِ هُوَ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ أَنْ يَخْدِمَ الْآخَرِينَ، حَتَّى إِلَى حَدِّ الْمَوْتِ مِنْ أَجْلِهِمْ. هَذَا الْإِيثَارُ، هَذَا التَّوَاضُعُ، هَذِهِ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَنْكِرُ الذَّاتَ، هِيَ فِي صَمِيمِ قَلْبِ اللَّهِ. إِنَّهُ عَظِيمٌ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ تَوَاضَعَ لِيَكُونَ خَادِمًا. خَالِقُ الْكَوْنِ أَظْهَرَ عَظَمَتَهُ فِي التَّوَاضُعِ وَالْخِدْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.
اسْتِنْتَاجٌ
لَقَدْ قُلْنَا هَذَا سَابِقًا: فِي سَعْيِهِمْ لِلدِّفَاعِ عَنْ شَرَفِ اللَّهِ وَإِعْلَانِ عَظَمَتِهِ، يَنْتَهِي الْبَشَرُ إِلَى تَقْيِيدِ اللَّهِ بِطَرِيقَةٍ مَا. هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُعَرِّفَنَا بِطَبِيعَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ.
مِنْ حَقِّهِ هُوَ أَنْ يُخْبِرَنَا مَا إِذَا كَانَتْ وَحْدَانِيَّتُهُ بَسِيطَةً أَمْ مُعَقَّدَةً. لَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْدَهِشَ إِذَا اكْتَشَفْنَا أَنَّ اللَّهَ الْلَامُتَنَاهِيَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنَّا، وَأَصْعَبُ فِي الْفَهْمِ. لِذَا، لِنُظْهِرْ بَعْضَ التَّوَاضُعِ عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ.
كَمَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ حَذِرِينَ جِدًّا فِي تَحْدِيدِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَهُ اللَّهُ أَوْ يَفْعَلَهُ. هَلْ نَحْنُ، بِذَكَائِنَا وَمَعْرِفَتِنَا الْمَحْدُودَيْنِ، مُؤَهَّلُونَ لِأَنْ نَكُونَ حُكَّامًا عَلَى مَا يَسْتَطِيعُ الْقَدِيرُ فِعْلَهُ؟ مَنْ نَحْنُ حَتَّى نَقُولَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَطِيعُ، إِذَا أَرَادَ، أَنْ يَتَّخِذَ شَكْلَ إِنْسَانٍ؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَكُونَ مُذْنِبِينَ بِالتَّجْدِيفِ؟ اللَّهُ حُرٌّ فِي أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ، بِمَا يَتَجَاوَزُ مَا يَفْهَمُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَتَخَيَّلُهُ. كَمَا يَقُولُ الْقُرْآنُ: ”يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.“