وَحْدَانِيَّةُ اللَّهِ
لَقَدْ سَبَقَ أَنْ اقْتَبَسْنَا عِدَّةَ آيَاتٍ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تُؤَكِّدُ بِوَضُوحٍ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ؛ لَا يُوجَدُ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ. لَكِنَّ هُنَاكَ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ. يُعَلِّمُ الْإِسْلَامُ وَحْدَانِيَّةً بَسِيطَةً لِلَّهِ، بَيْنَمَا يُعَلِّمُ الْمَسِيحِيُّونَ أَنَّ اللَّهَ يَتَسَمُّ بِوَحْدَانِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. يَسْتَخْدِمُ الْمُسْلِمُونَ مُصْطَلَحَ ”التَّوْحِيد“ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ نَوْعِ الْوَحْدَةِ الَّتِي يَتَصَوَّرُونَهَا، بَيْنَمَا يَسْتَخْدِمُ بَعْضُ الْمَسِيحِيِّينَ مُصْطَلَحَ ”الثَّالُوثِ“ (الَّذِي يَعْنِي ثَلَاثَةً فِي وَاحِدٍ) لِوَصْفِ الْوَحْدَةِ الْمُعَقَّدَةِ لِإِلَهٍ وَاحِدٍ مَوْجُودٍ مُنْذُ الْأَزَلِ فِي ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ. مِنَ الْمُثِيرِ لِلِاهْتِمَامِ مُلَاحَظَةُ أَنَّ كَلِمَةَ ”التَّوْحِيد“ لَا تَرِدُ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا أَنَّ كَلِمَةَ ”الثَّالُوث“ لَا تَظْهَرُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لِذَا دَعُونَا لَا نَسْمَحُ لِهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ أَنْ تُقْلِقَنَا أَوْ تَحْجُبَ مَا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْ ذَاتِهِ.
هَلْ يُمْكِنُ لِلْإِلَهِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ؟ صَحِيحٌ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ قَدْ تَبْدُو مُسْتَحِيلَةَ الْفَهْمِ، وَلَكِنْ هَلْ يُفْتَرَضُ بِنَا أَنْ نَنْدَهِشَ إِذَا عَجَزَ الْإِنْسَانُ عَنْ إِدْرَاكِ الْكَائِنِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يُفَاوِقُنَا بِلَا حُدُودٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ سَوَاءُ كَانَ الْفَهْمُ صَعْبًا أَمْ لَا، دَعُونَا نُحَاوِلُ أَنْ نَأْخُذَ فِي الْاعْتِبَارِ بَعْضَ الْحَقَائِقِ الَّتِي أَعْلَنَهَا اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ.
لَقَدْ أَكَّدْنَا سَابِقًا أَنَّ اللَّهَ يُصَرِّحُ بِوَضُوحٍ وَحَسْمٍ بِأَنَّهُ فَرِيدٌ، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ. هَذَا التَّعْلِيمُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي تَعَالِيمِ أَنْبِيَاءِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَفِي الْإِنْجِيلِ.
الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ
الْحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ: ”فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ“ (يُوحَنَّا ١: ١-٣). مَنْ (أَوْ مَا) هِيَ هَذِهِ ”الْكَلِمَةُ“ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا يُوحَنَّا؟ الْعَدَدُ ١٤ مِنْ نَفْسِ الْإِصْحَاحِ يُوضِّحُ الْأَمْرَ: ”وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا“. الَّذِي صَارَ جَسَدًا، وَعَاشَ بَيْنَ الْبَشَرِ، وَكَانَ لَهُ مَجْدُ الِابْنِ الْوَحِيدِ مِنَ الْآبِ، هُوَ بِلَا شَكٍّ يَسُوعُ الْمَسِيحِ. إِذَنْ النَّصُّ الْمُقَدَّسُ يَقُولُ إِنَّ الْكَلِمَةَ، أَيْ يَسُوعَ، كَانَ مَوْجُودًا مُنْذُ بَدَايَةِ كُلِّ شَيْءٍ. لَمْ يَبْدَأْ وُجُودُهُ، وَلَمْ يُخْلَقْ – بَلْ كَانَ مَوْجُودًا مَعَ اللَّهِ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، يَقُولُ الْعَدَدُ ٣ بِوَضُوحٍ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِنْ دُونِ مُشَارَكَتِهِ، أَيْ مِنْ دُونِ يَسُوعَ الْكَلِمَةِ. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ مِنْ بَيْنِ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ أَوْ يُشَارِكَ فِي خَلْقِهِ. وَبِمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ إِذَنْ أَزَلِيٌّ.
وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ مُعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ يُعْتَقِدُونَ أَنَّ سُورَةَ الْبُرُوجِ الْآيَتَيْنِ ٢١-٢٢، الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ ”قُرْآنٍ مَجِيدٍ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ“، تَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَانَ مَوْجُودًا مَعَ اللَّهِ مُنْذُ الْأَزَلِ. وَفِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ، تَجَسَّدَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ فِي صُورَةِ كِتَابٍ، الْقُرْآنِ. أَلَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْأَلَ: ”إِذَا كَانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ، الْقُرْآنُ، أَزَلِيَّةً وَغَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، فَمَا الْمُشْكِلَةُ فِي الْقَوْلِ إِنَّ يَسُوعَ، كَلِمَةُ اللَّهِ، أَزَلِيٌّ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ؟“ أَلَيْسَتْ مُصَادَفَةً أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْآيَةِ ١٧١ يُسَمِّي يَسُوعَ ”رَسُولَ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ“؟ وَفْقًا لِلْقُرْآنِ، يَسُوعُ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ. وَكَلِمَةُ اللَّهِ مَوْجُودَةٌ مُنْذُ الْأَزَلِ.
عَلَى خَطَرِ الدُّخُولِ فِي فَلْسَفَةٍ عَمِيقَةٍ، تَأَمَّلْ هَذِهِ الْمُعْضِلَةَ: مُعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ اللَّهِ. إِذَا قَالُوا إِنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَهَذَا يَعْنِي وُجُودَ شَيْئَيْنِ أَزَلِيَّيْنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُعْتَبَرُ فِي الْإِسْلَامِ تَجْدِيفًا لَا يُحْتَمَلُ. أَمَّا إِذَا قَالُوا إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، فَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ هُنَاكَ وَقْتًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيهِ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ نَطَقَ، يَكُونُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَهَذَا انْتِهَاكٌ لَا يُحْتَمَلُ لِعَقِيدَةِ الْمُسْلِمِينَ الْقَائِلَةِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَغَيَّرُ. لَكِنْ إِذَا اعْتَرَفْنَا أَنَّ الْكَلِمَةَ، الَّتِي تَجَسَّدَتْ فِي شَخْصِ يَسُوعَ، كَانَتْ مَوْجُودَةً دَائِمًا وَأَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ، أَحَدُ الْأَقَانِيمِ الْإِلَاهِيَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَشَكَّلُ مَعًا إِلَهًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الْمُعْضِلَةَ تُحَلُّ. فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ خَارِجَ اللَّهِ كَانَ مَوْجُودًا دَائِمًا، وَاللَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ التَّارِيخِ.
الْكَلِمَةُ كَانَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْكَلِمَةُ كَانَتِ اللَّهَ؟!
لَقَدْ ذَكَرْنَا لِلتوِّ الْأَقَانِيمَ الْإِلَاهِيَّةَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَشَكَّلُ إِلَهًا وَاحِدًا. (دَعُونَا نُوَضِّحُ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتِ اللَّهُ وَيَسُوعَ وَمَرْيَمَ. حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ يَلْمِحُ إِلَى هَذِهِ الْفِكْرَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الْآيَةِ ١١٦، رُبَّمَا لِأَنَّ بَعْضَ الْهَرَاطِقَةِ فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً، وَلَيْسَتْ أَقْنُومًا إِلَاهِيًّا، وَلَا تُعْبَدُ، وَلَيْسَتْ جُزْءًا مِمَّا يُعْرَفُ بِالثَّالُوثِ). تَمَامًا كَمَا يَتَحَدَّثُ الْإِسْلَامُ عَنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ لِلَّهِ، يَسْتَخْدِمُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَكْثَرَ مِنْ مُصْطَلَحٍ لِلْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَشَكِّلُ اللَّاهُوتَ. هُنَاكَ مَنْ نُسَمِّيهِ الْآبَ، اللَّهُ الْآبَ أَوْ بِبَسَاطَةٍ اللَّهَ؛ وَهُنَاكَ مَنْ نُسَمِّيهِ الِابْنَ، اللَّهُ الِابْنَ، الْكَلِمَةَ، الْحَمَلَ أَوِ الْمَسِيحَ؛ وَهُنَاكَ مَنْ نُسَمِّيهِ الرُّوحَ، رُوحَ اللَّهِ، الْمُعَزِّيَ أَوِ الرُّوحَ الْقُدُسَ.
عِنْدَمَا نَقْرَأُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ ”الْكَلِمَةَ كَانَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَتِ الْكَلِمَةُ اللَّهَ“ (يُوحَنَّا ١:١)، فَإِنَّ كَلِمَةَ ”اللَّهِ“ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ تُشِيرُ إِلَى اللَّهِ الْآبِ؛ الْكَلِمَةُ لَمْ تَكُنِ اللَّهَ الْآبَ لَكِنَّهَا كَانَتْ ”عِنْدَ“ اللَّهِ الْآبِ. أَمَّا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، فَكَلِمَةُ ”اللَّهِ“ تَعْنِي اللَّاهُوتَ، الْكَائِنَ الْأَعْلَى: الْكَلِمَةُ كَانَتِ اللَّهَ. فَكَمَا أَنَّ الْآبَ هُوَ اللَّهُ، كَذَلِكَ الْكَلِمَةُ هِيَ اللَّهُ أَيْضًا.
هَلْ يَسُوعُ هُوَ اللَّهُ؟
تَظْهَرُ لَنَا عِدَّةُ نُصُوصٍ أَنَّ يَسُوعَ، الْكَلِمَةَ، هُوَ اللَّهُ: يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَنِ الْمَسِيحِ فِي كُولُوسِي ٩:٢، ”فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللَّاهُوتِ جَسَدِيًّا.“ وَيَقُولُ الرَّسُولُ أَيْضًا إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَسِيحِيِّينَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ نَفْسُ مَوَاقِفِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ”الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللَّهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“ (فِيلِبِّي ٦:٢-٧). إِذَنْ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِنْسَانًا، كَانَ يَسُوعُ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ اللَّهِ وَكَانَ مُسَاوِيًا لِلَّهِ الْآبِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِهَذِهِ الْمُسَاوَاةِ مَعَ اللَّهِ، بَلْ أَخْلَى نَفْسَهُ لِفَتْرَةٍ لِيَصِيرَ إِنْسَانًا مِثْلَنَا حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ خَلَاصِنَا.
وَلَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى التَّصْرِيحَاتِ الْمُبَاشِرَةِ الَّتِي تُؤَكِّدُ لَاهُوتَ يَسُوعَ، هُنَاكَ أَيْضًا نُبُوءَاتٌ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، عِنْدَ مُقَارَنَتِهَا بِتَحْقِيقِهَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، تُعَلِّمُ بِوَضُوحٍ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ اللَّهُ.
فِي إِشَعْيَاءَ ٣:٤٠، نَجِدُ هَذِهِ النُّبُوءَةَ الْمَسِيَّانِيَّةَ: ”صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لِإِلَهِنَا.“ نُلَاحِظُ هُنَا أَنَّ الصَّوْتَ يُنَادِي بِأَنَّهُ يَجِبُ تَمْهِيدُ الطَّرِيقِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَتَحْقِيقُ هَذِهِ النُّبُوءَةِ نَجِدُهُ فِي مَتَّى ٣:٣، حَيْثُ قِيلَ إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي نَادَى بِهَذَا كَانَ صَوْتَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ. وَالْآنَ، مَنْ كَانَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يُمَهِّدُ الطَّرِيقَ لَهُ؟ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.
تَأَمَّلْ نُبُوءَةَ مَلَاخِي ١:٣: ”هَا أَنَا ذَا أُرْسِلُ مَلَاكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي… قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.“ هَذَا الْمَلَاكُ جَاءَ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ مَهَّدَ الطَّرِيقَ أَمَامَ… يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
وَفِي زَكَرِيَّا ١٣:١١، نُسِبَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَى الرَّبِّ: ”فَأَلْقِهُ إِلَى الْفَخَّارِيِّ، الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ.“ ثُمَّ يَتَابِعُ زَكَرِيَّا: ”فَأَخَذْتُ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ.“ هُنَا يُحَدِّدُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِوَضُوحٍ مَعَ الشَّخْصِ الَّذِي سَيُخَانُ وَيُبَاعُ بِثَلَاثِينَ شِيكْلًا مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي أَلْقَاهُ يَهُوذَا فِي الْهَيْكَلِ وَالَّذِي اسْتُخْدِمَ فِي النِّهَايَةِ لِشِرَاءِ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ بِحَسَبِ مَتَّى ٢٧:٨-١٠. الَّذِي بِيعَ بِثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ لَمْ يَكُنْ سِوَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لَا يُمْكِنُ فَهْمُ هَذِهِ النُّبُوءَةِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ عَلَى الْأَرْضِ.
يَسُوعُ لَيْسَ الْآبَ
وَالْآنَ إِلَيْكَ مَا يُعَقِّدُ الصُّورَةَ قَلِيلًا: الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نَفْسُهُ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ هُوَ اللَّهُ يُعَلِّمُ بِوَضُوحٍ أَيْضًا أَنَّ يَسُوعَ مُتَمَيِّزٌ عَنِ اللَّهِ الْآبِ. يَسُوعُ هُوَ اللَّهُ؛ الْآبُ هُوَ اللَّهُ؛ لَكِنَّ يَسُوعَ لَيْسَ الْآبَ. لَيْسَ صَحِيحًا، كَمَا يَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ، أَنَّ ”الْآبَ“ مَجَرَّدُ لَقَبٍ مِنْ أَلْقَابِ يَسُوعَ، أَوْ دَوْرٍ يُؤَدِّيهِ أَوْ صُورَةٍ يَظْهَرُ بِهَا لِلنَّاسِ. الْآبُ وَالِابْنُ هُمَا شَخْصَانِ مُتَمَيِّزَانِ، وَيُوجَدُ بَيْنَهُمَا تَفَاعُلٌ شَخْصِيٌّ. تَأَمَّلِ الْمَقَاطِعَ التَّالِيَةَ:
”لِأَنَّ الْآبَ لَا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلِابْنِ… أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لِأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الْآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي“ (يُوحَنَّا ٥: ٢٢، ٣٠). ”أَنَا قَدْ جِئْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذَاكَ تَقْبَلُونَهُ“ (يُوحَنَّا ٥: ٤٣). ”فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: تَعَالِيمِي لَيْسَتْ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي“ (يُوحَنَّا ٧: ١٦-١٨). ”أَجَابَ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، الَّذِي تَقُولُونَ إِنَّهُ إِلَهُكُمْ“ (يُوحَنَّا ٨: ٥٤). ”أَيُّهَا الْآبُ، أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ“ (يُوحَنَّا ١٧: ٢٤). مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ أَيًّا مِنْ هَذِهِ الْمَقَاطِعِ لَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى لَوْ كَانَ يَسُوعُ وَالْآبُ السَّمَاوِيُّ شَخْصًا وَاحِدًا.
سَنَفْهَمُ بَعْضَ مَقَاطِعِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ إِذَا أَدْرَكْنَا أَنَّ كَلِمَةَ ”اللَّهِ“ تُشِيرُ غَالِبًا إِلَى الْآبِ وَحْدَهُ. فِي يُوحَنَّا ١٦: ٢٧-٢٨ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يُسْتَخْدَمُ الْمُصْطَلَحَانِ بِالتَّبَادُلِ: ”…فَإِنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي، وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ. خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الْآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ. وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الْآبِ“. وَفِي مَقَاطِعَ أُخْرَى، تَحْمِلُ كَلِمَةُ ”اللَّهِ“ مَعْنًى أَوْسَعَ وَهُوَ ”الْكَائِنُ الْإِلَاهِيُّ“ أَوْ ”اللَّاهُوتُ“ وَتَشْمَلُ كِلًا مِنَ الْآبِ وَالِابْنِ. فِي ٢ يُوحَنَّا ٩، يَكْتُبُ الرَّسُولُ: ”كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللَّهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهَذَا لَهُ الْآبُ وَالِابْنُ كِلَيْهِمَا“.
لَقَدْ تَحَدَّثْنَا سَابِقًا عَنْ حَقِيقَةٍ أَنَّ الْمَسِيحِيِّينَ يُؤْمِنُونَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، لَكِنْ طَبِيعَتَهُ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنَ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ لِلَّهِ. هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، لَكِنَّ هَذَا الْإِلَهَ الْوَاحِدَ مَوْجُودٌ مُنْذُ الْأَزَلِ فِي ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ. أَنْتَ وَأَنَا كَائِنَاتٌ مُعَقَّدَةٌ. كُلُّ مِنَّا لَهُ جَسَدٌ مَادِّيٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسٍ وَرُوحٍ. الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ جَسَدٌ وَرُوحٌ لَيْسَ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ هَذِهِ بِبَسَاطَةٍ عَنَصْرَانِ مُتَمَيِّزَانِ يَتَكَوَّنُ مِنْهُمَا كِيَانُهُ. الْإِنْسَانُ لَيْسَ بِسِيطًا كَمَا يَبْدُو؛ فَهُوَ مُعَقَّدٌ جَسَدِيًّا، حَيْثُ يَتَكَوَّنُ جَسَدُهُ مِنَ الْعَدِيدِ مِنَ الْمُكَوِّنَاتِ. وَهُوَ مُعَقَّدٌ رُوحِيًّا، حَيْثُ يُصْعَبُ تَعْرِيفُ رُوحِهِ وَنَفْسِهِ وَاسْتِحَالَةُ قِيَاسِهِمَا. ذَكَاؤُنَا الْمَحْدُودُ يُوَاجِهُ صُعُوبَةً فِي فَهْمِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ عَنِ الْبَشَرِ. لَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْدَهِشَ لِأَنَّ اللَّهَ الْلَامُتَنَاهِيَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنَّا، وَأَصْعَبُ فِي الْفَهْمِ. لِذَا دَعُونَا نَكُونُ مُتَوَاضِعِينَ عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ.
مَا قُلْنَاهُ هُنَا لَا يَعْنِي أَبَدًا أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، بَيْنَمَا كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ هُنَاكَ إِلَهًا وَاحِدًا فَقَطْ. لَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ! بَلْ تَعَلَّمْنَا بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِلَهَ الْوَاحِدَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ. إِذَا وَاجَهْنَا صُعُوبَةً فِي فَهْمِ كُلِّ مَا كَشَفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، دَعُونَا لَا نَتَفَاجَأْ. هُوَ عَظِيمٌ جِدًّا، وَنَحْنُ صِغَارٌ جِدًّا؛ لِذَا دَعُونَا نَكُونُ مُتَوَاضِعِينَ بِقَدْرٍ كَافٍ لِنَقْبَلَ أَنَّ مَا كَشَفَهُ هُوَ الْحَقُّ، وَنُبْذِلَ قُصَارَى جُهْدِنَا لِفَهْمِهِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.