هَلْ تَمَّ تَحْرِيفُ الْإِنْجِيلِ؟

هَلْ يَحِقُّ لِلْمُسْلِمِ قِرَاءَةُ الْإِنْجِيلِ؟

هَلْ تُوَافِقُ عَلَى أَنَّنَا لَا يَجِبُ أَنْ نَرْفُضَ الْمَسِيحِيَّةَ وَلَا الْإِسْلَامَ بِسَبَبِ أَقْوَالِ وَأَفْعَالِ الْمَسِيحِيِّينَ السَّيِّئِينَ وَالْمُسْلِمِينَ السَّيِّئِينَ، أَيِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَوْ لَا يَتَّبِعُونَ التَّعَالِيمَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْمَسِيحِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ؟ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَدْرُسَ حَيَاةَ وَتَعَالِيمَ يَسُوعَ، أَوْ حَيَاةَ وَتَعَالِيمَ مُحَمَّدٍ، لِكَيْ نُقَرِّرَ هَلْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ أَمْ لَا.

دِينُ آبَائِنَا

الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَسَاءَلُونَ أَبَدًا عَنِ الْمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي وَرِثُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ: فَهُمْ مَسِيحِيُّونَ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ كَانُوا مَسِيحِيِّينَ، أَوْ مُسْلِمُونَ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَسِيحِيِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُونَ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ أَنْ يَرْفُضُوا أَصْنَامَهُمْ وَآلِهَتَهُمُ الزَّائِفَةَ، رُغْمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْوَثَنِيِّينَ وَرِثُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ. إِذَا كُنَّا نَطْلُبُ مِنَ الْآخَرِينَ أَنْ يَفْحَصُوا الدِّينَ الَّذِي وُلِدُوا فِيهِ، أَلَيْسَ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ يَفْحَصَ كُلٌّ مِنَّا الدِّينَ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ لِيَعْرِفَ هَلْ هُوَ الْحَقُّ أَمْ لَا؟ وَأَلَيْسَ مِنَ الْمَنْطِقِ أَنْ نَتَحَرَّى الْمَصَادِرَ الْأَصْلِيَّةَ قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ عَلَى دِينِ الْآخَرِينَ؟

مِنَ الْأَفْضَلِ دَائِمًا أَلَّا نَبْنِيَ اسْتِنْتَاجَاتِنَا عَلَى الْإِشَاعَاتِ. كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ بِالْمَسِيحِ يُدْعَى فُؤَادٌ مِصْرِيٌّ يَتَحَدَّثُ إِلَى صَدِيقِهِ الْمُسْلِمِ, كَمَالٌ. سَأَلَهُ فُؤَادٌ:

”«كَمَالٌ، هَلْ قَرَأْتَ الْإِنْجِيلَ؟» فَاسْتَهْزَأَ قَائِلًا: «لَا، لَقَدْ حُرِّفَ.» رَدَّ فُؤَادٌ: «إِذَا لَمْ تَقْرَأْهُ، فَكَيْفَ تَعْرِفُ أَنَّهُ حُرِّفَ؟» فَأَجَابَ كَمَالٌ: «وَالِدِي أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ.» سَأَلَهُ فُؤَادٌ: «هَلْ قَرَأَ وَالِدُكَ الْإِنْجِيلَ؟» قَالَ كَمَالٌ: «لَا.» فَتَابَعَ فُؤَادٌ: «إِذًا كَيْفَ عَرَفَ أَنَّهُ مُحَرَّفٌ؟» فَقَالَ كَمَالٌ: «جَدِّي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.» لَمْ يَتَمَالَكَ فُؤَادٌ نَفْسَهُ وَسَأَلَ: «هَلْ قَرَأَ جَدُّكَ الْإِنْجِيلَ؟» وَبِالطَّبْعِ، أَجَابَ كَمَالٌ أَنَّ جَدَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الْإِنْجِيلَ.“ (مِنْ كِتَابِ التَّوَاصُلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ).

هَكَذَا تَنْتَقِلُ الْمَعْلُومَاتُ الْخَاطِئَةُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ دُونَ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَحَدٌ مِمَّا يُقَالُ. أَلَيْسَ هَذَا خَطِرًا؟ رُغْمَ حُبِّنَا وَاحْتِرَامِنَا لِآبَائِنَا، فَإِنَّنَا نَعْتَرِفُ أَنَّهُمْ، مِثْلَ كُلِّ الْبَشَرِ، قَدْ يَجْهَلُونَ بَعْضَ الْحَقَائِقِ. لِذَا نَكْتَشِفُ طُرُقًا جَدِيدَةً لِعِلَاجِ الْأَمْرَاضِ، وَزِرَاعَةِ الْمَحَاصِيلِ، وَالسَّفَرِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، وَالتَّوَاصُلِ مَعَ مَنْ يَعِيشُونَ بَعِيدًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. أَنْ نَكُونَ مِنْفَتِحِي الْعَقْلِ لَا يَعْنِي أَنَّنَا نَفْتَقِرُ إِلَى الْإِحْتِرَامِ لِآبَائِنَا أَوْ تُرَاثِنَا. بَلْ قَدْ نَكُونُ بِذَلِكَ سَبَبَ بَرَكَةٍ لِأَنْفُسِنَا وَلِعَائِلَاتِنَا.

قَبْلَ مِئَتَيْ عَامٍ، كَانَ سُكَّانُ جُزُرِ الْمُحِيطِ الْهَادِئِ الْوَثَنِيُّونَ يَعِيشُونَ فِي حُرُوبٍ وَعُنْفٍ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلَانِ يُسَافِرَانِ بِقَارِبٍ، فَانْحَرَفَا عَنْ مَسِيرِهِمَا بِسَبَبِ عَاصِفَةٍ شَدِيدَةٍ، وَانْتَهَى بِهِمَا الْمَطَافُ بَعِيدًا عَنْ وَجْهَتِهِمَا. وَبَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ، وَصَلَا إِلَى جَزِيرَةٍ تُدْعَى رَارُوتُونْجَا. سَأَلَهُمَا زَعِيمُ الْجَزِيرَةِ عَنْ أَخْبَارِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي أَتَيَا مِنْهَا، فَشَرَحَ الرَّجُلَانِ أَنَّ تَغْيِيرًا عَظِيمًا يَحْدُثُ هُنَاكَ: النَّاسُ جَمِيعًا أَحْرَقُوا أَصْنَامَهُمْ، وَبَدَأُوا يَعْبُدُونَ إِلَهَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَدَلًا مِنْ آلِهَتِهِمُ الْقَدِيمَةِ. انْدَهَشَ الزَّعِيمُ وَسَأَلَهُمَا: ”مَاذَا أَعْطَاكُمْ هَذَا الْإِلَهُ حَتَّى تَرَكْتُمْ آلِهَةَ آبَائِكُمْ؟“ فَأَجَابَ الرَّجُلَانِ بِبَسَاطَةٍ: ”السَّلَامُ. لَقَدْ مَنَحَنَا هَذَا الْإِلَهُ السَّلَامَ.“ عِنْدَهَا أَمَرَ زَعِيمُ رَارُوتُونْجَا شَعْبَهُ أَنْ يُصَلُّوا إِلَى إِلَهِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَيْ يُرْسِلَ لَهُمْ رَسُولًا، لِيَعْبُدُوهُ وَيَنْعَمُوا بِالسَّلَامِ. رُغْمَ أَنَّ أَسْلَافَهُ لَمْ يَعْرِفُوا هَذَا الْإِلَهَ، أَدْرَكَ الزَّعِيمُ أَنَّهُمْ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.

هَلْ يُحَرَّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِرَاءَةُ الْإِنْجِيلِ؟

يَظُنُّ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خَطَأً أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِنْجِيلِ أَوِ امْتِلَاكَهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ. إِذَا حَصَلَ أَحَدُ أَطْفَالِهِمْ عَلَى إِنْجِيلٍ، قَدْ يُعَاقِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ مِنْهُ. وَإِذَا اكْتَشَفُوا أَنَّ صَدِيقًا لَهُمْ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، يُعَامِلُونَهُ وَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ شَيْئًا فَظِيعًا أَوْ مُخْزِيًا.

يَنْسَوْنَ أَنَّ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ يَقُولُ: ”حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ“ (أَيْ لَا إِثْمَ فِي ذَلِكَ). وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِلْ عَلَى الْعَكْسِ:

يَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (آيَةُ ١٣٦):
”قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ“. بَدَلًا مِنْ تَحْرِيمِ كُتُبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، تُؤَكِّدُ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحْتَرِمَهَا كَمَا يُحْتَرِمُ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ، لِأَنَّ مَصْدَرَهَا وَاحِدٌ.

وَيَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ (آيَةُ ١٣٦):
”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا“. فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُعَامِلَ الْمُسْلِمُ الْإِنْجِيلَ بِازْدِرَاءٍ، بَيْنَمَا الْقُرْآنُ نَفْسُهُ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَبُولَهُ؟

نُصُوصٌ قُرْآنِيَّةٌ أُخْرَى تُؤَكِّدُ ذَلِكَ:

”وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ“ (الْعَنْكَبُوتِ: ٤٦).

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (الْآيَتَانِ ٤و٥):

”الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ“ (الْبَقَرَةِ: ٤-٥).

وَمَرَّةً أُخْرَى يَقُولُ ٱللَّهُ فِي سُورَةِ ٱلْمَائِدَةِ (ٱلْآيَةُ ٥٩):

”قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ“ (الْمَائِدَةِ: ٥٩).

كَيْفَ يُؤْمِنُ الْمُسْلِمُ بِمَا نَزَلَ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى، ثُمَّ يَرْفُضُ قِرَاءَةَ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِمَا؟ وَكَيْفَ يَدَّعِي الْبَعْضُ أَنَّ الْقُرْآنَ ”أَبْطَلَ“ الْإِنْجِيلَ، بَيْنَمَا الْقُرْآنُ نَفْسُهُ يَأْمُرُ بِالْإِيمَانِ بِهِمَا مَعًا؟

يُطَالِبُ الْمُسْلِمُونَ الْمَسِيحِيِّينَ أَحْيَانًا: ”لِمَاذَا لَا تُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنَا وَكِتَابِنَا، بَيْنَمَا نَحْنُ نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، بِمَا فِيهِمْ عِيسَى وَمُوسَى؟“. لَكِنَّ الْمَسِيحِيَّ يَتَسَاءَلُ: أَيُّ إِيمَانٍ هَذَا الَّذِي يَرْفُضُ فِيهِ الْمُسْلِمُ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ يَمْنَعُ الْآخَرِينَ مِنْ قِرَاءَتِهَا؟.

الْمَقَالُ التَّالِي ←
هَلْ تَمَّ تَحْرِيفُ الكِتَابِ المُقَدَّسِ؟