كَمَا رَأَيْنَا، يَتَوَقَّعُ الْمُسْلِمُونَ الْعُثُورَ عَلَى إِشَارَاتٍ إِلَى مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لَقَدْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْمَسِيحَ، عِنْدَمَا تَحَدَّثَ فِي الْإِنْجِيلِ عَنْ ”الْمُعَزِّي“ الَّذِي سَيَأْتِي، كَانَ يُشِيرُ إِلَى مُحَمَّدٍ. لَكِنْ عِنْدَمَا نَنْظُرُ إِلَى كَلِمَاتِ الْمَسِيحِ بِعِنَايَةٍ، نَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ، بَلْ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ قُدُومِ الرُّوحِ الْقُدُسِ لِيَرْشِدَ الرُّسُلَ.
التَّوْرَاةُ
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِشَرِيعَةِ مُوسَى، يَعْتَقِدُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ تَثْنِيَةَ الْاشْتِرَاعِ ١٥:١٨، ١٧-١٩ تَتَحَدَّثُ بِوَضُوحٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
”سَيُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ. لَهُ تَسْمَعُونَ…“ (تَقْرَأُ مُعْظَمُ التَّرْجَمَاتِ: ”مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِكَ“). ذَكَّرَ مُوسَى الشَّعْبَ بِأَنَّهُمْ حِينَ كَانُوا عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ سِينَاءَ، حَيْثُ أُعْطِيَتِ التَّوْرَاةُ (أَيْ الشَّرِيعَةُ)، طَلَبُوا أَلَّا يَسْمَعُوا صَوْتَ اللهِ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى لِئَلَّا يَمُوتُوا. ”فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: «قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. سَأُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِمْ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَسَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي، فَإِنِّي أُطَالِبُهُ'“.
يَرَى الْمُسْلِمُونَ عِدَّةَ أَوْجُهِ تَشَابُهٍ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ وَيَسْتَنْتِجُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ هَذَا النَّصُّ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، كِلَا مُوسَى وَمُحَمَّدٍ كَانَا مُتَزَوِّجَيْنِ وَلَدَيْهِمَا أَطْفَالٌ، كِلَاهُمَا هَاجَرَا بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَا هَدَفًا لِمُحَاوَلَاتِ اغْتِيَالٍ، كِلَاهُمَا قَادَ أَتْبَاعَهُ إِلَى الْحَرْبِ وَالنَّصْرِ، وَكِلَاهُمَا أَعْطَى شَرِيعَةً وَنِظَامًا تَفْصِيلِيًّا لِلسُّلُوكِ. لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، يُمْكِنُ بِسُهُولَةٍ مُلَاحَظَةَ أَوْجُهِ تَشَابُهٍ عَدِيدَةٍ بَيْنَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ أَيْضًا. مَثَلًا، نَجَا كُلٌّ مِنَ الْمَسِيحِ وَمُوسَى مِنَ الْمَوْتِ الْمُؤَكَّدِ بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ. تَجَلَّى كُلٌّ مِنَ الْمَسِيحِ وَمُوسَى عَلَى جَبَلٍ حَتَّى أَضَاءَتْ وُجُوهُهُمَا (خُرُوجٌ ٢٩:٣٤-٣٠؛ مَتَّى ١:١٧-٥). كِلَيْهِمَا تَوَسَّطَ لَدَى اللهِ نِيَابَةً عَنْ أُنَاسٍ مَذْنُوبِينَ. كِلَيْهِمَا أَقَامَ عَهْدًا بَيْنَ اللهِ وَالْبَشَرِ مِنْ خِلَالِ دَمِ الذَّبِيحَةِ.
لَكِنْ بَدَلًا مِنْ مُحَاوَلَةِ مَعْرِفَةِ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ (الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْمَسِيحِيُّونَ) يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ قَائِمَةٍ أَطْوَلَ بِالتَّشَابُهَاتِ، دَعُونَا نَنْظُرُ عَنْ كَثَبٍ إِلَى الْمَعَايِيرِ الْمَذْكُورَةِ فِي النُّبُوءَةِ الْخَاصَّةِ بِالنَّبِيِّ الْآتِي. هَذَانِ هُمَا الْمِعْيَارَانِ اللَّذَانِ يَجِبُ فَحْصُهُمَا:
- أَخْبَرَ مُوسَى شَعْبَ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الرَّبَّ سَيُقِيمُ نَبِيًّا ”مِنْ وَسَطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ“.
- قَالَ اللهُ إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ سَيَكُونُ ”مِثْلَ“ مُوسَى.
”مِنْ إِخْوَتِكُمْ“
يُحِبُّ الْمُفَسِّرُونَ الْمُسْلِمُونَ التَّأْكِيدَ عَلَى عِبَارَةِ: ”يُقِيمُ مِنْ إِخْوَتِكِ“ وَيَقْتَرِحُونَ أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ لَيْسُوا إِخْوَتَهُمْ، وَأَنَّ اللهَ كَانَ يَتَحَدَّثُ بِالتَّأْكِيدِ عَنْ أَحَدِ ”الشُّعُوبِ الْأُخَوِيَّةِ“ لِإِسْرَائِيلَ. وَفْقًا لَهُمْ، يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا النَّبِيِّ بَيْنَ الْأُمَمِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ. لِتَحْدِيدِ الشُّعُوبِ ”الْمُرْتَبِطَةِ“ بِإِسْرَائِيلَ، يَجِبُ الْعَوْدَةُ إِلَى التَّارِيخِ لِمَعْرِفَةِ أَيِّ هَذِهِ الشُّعُوبِ يَنْحَدِرُ مِنْ أَجْدَادِ إِخْوَةِ إِسْرَائِيلَ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، كَانَ وَالِدُ الْأُمَّةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ يُدْعَى إِسْرَائِيلَ (أَوْ يَعْقُوبَ)، وَكَانَ لَهُ أَخٌ اسْمُهُ عِيسُو. أَحْفَادُ عِيسُو كَانُوا الْأَدُومِيِّينَ. هُنَاكَ نَصٌّ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ (تَثْنِيَةُ ٤:٢، ٨) يُطْلِقُ فِيهِ عَلَى الْأَدُومِيِّينَ اسْمَ ”إِخْوَةِ“ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. إِذَا عُدْنَا إِلَى الْوَرَاءِ قَلِيلًا، نَجِدُ أَنَّ وَالِدَ يَعْقُوبَ، إِسْحَاقَ، كَانَ لَدَيْهِ إِخْوَةٌ غَيْرُ أَشْقَّاءَ مِثْلَ إِسْمَاعِيلَ وَمِيدْيَانَ وَزِمْرَانَ وَمِدْيَانَ وَغَيْرِهِمْ. وَفْقًا لِفِكْرَةٍ يَطْرَحُهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ (الْعَرَبُ هُمْ مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ) وَالْمِيدَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ”إِخْوَةً“ لِأُمَّةِ إِسْرَائِيلَ. وَبِمَا أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ عَرَبِيًّا، فَهُوَ سَيَكُونُ مِنْ إِخْوَةِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. وَمَعَ ذَلِكَ، تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَا يَسْتَخْدِمُ أَبَدًا مُصْطَلَحَ ”إِخْوَةٍ“ عِنْدَمَا التَّحَدُّثِ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ (أَوِ الْعَرَبِ) أَوِ الْمِيدَانِيِّينَ أَوِ الشُّعُوبِ الْأُخْرَى الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ.
حَتَّى لَوْ أَرَدْنَا اعْتِبَارَ هَذِهِ الشُّعُوبِ الْأُخْرَى ”أُمَمًا أُخَوِيَّةً“ لِإِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ مُوسَى يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ أَحَدِهِمْ. أَوَّلًا، يَجِبُ حَذْفُ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلَامِ مُوسَى: ”يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي“ (تَثْنِيَةُ ١٥:١٨). بِمَا أَنَّ مُوسَى كَانَ يُخَاطِبُ إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ عِبَارَةَ ”مِنْ وَسَطِكَ“ تُشِيرُ بِالضَّرُورَةِ إِلَى شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ سَيَكُونُ إِسْرَائِيلِيًّا (اي من بني يعقوب). ثَانِيًا، سَيَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا تَفْسِيرُ عِبَارَةِ ”مِنْ إِخْوَتِكَ“ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مَعْتادَةٍ، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَرِيبَةً تَمَامًا. مِنْ مِنَّا، إِذَا طُلِبَ مِنْهُ اخْتِيَارُ أَحَدِ ”إِخْوَتِهِ“ لِمَنْصِبٍ مُهِمٍّ أَوْ سُلْطَةٍ، سَيَفْهَمُ أَنَّ أَفْرَادَ عَائِلَتِهِ مُسْتَبْعَدُونَ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ شَخْصٍ يَنْحَدِرُ مِنْ أَسْلَافٍ كَانُوا مُرْتَبِطِينَ بِنَا قَبْلَ مِئَاتِ السِّنِينَ؟
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِعِبَارَةِ ”مِنْ إِخْوَتِكَ“، فَلَدَيْنَا مُوَازٍ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ. فِي تَثْنِيَةَ ١٤:١٧-١٥، يَقُولُ مُوسَى لِإِسْرَائِيلَ: ”تُقِيمُ عَلَيْكَ مَلِكًا يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلَهُكَ. مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِكَ تُقِيمُ عَلَيْكَ مَلِكًا، لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْكَ أَجْنَبِيًّا لَيْسَ مِنْ إِخْوَتِكَ.“ طَوَالَ تَارِيخِهِمْ، لَمْ يُقِمِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ مَلِكًا غَيْرَ إِسْرَائِيلِيٍّ عَلَيْهِمْ. فَاللهُ لَمْ يَخْتَرْ لَا إِسْمَاعِيلِيًّا وَلَا أَدُومِيًّا وَلَا مِيدَانِيًّا وَلَا أَيَّ شَخْصٍ مِنْ أُمَّةٍ أُخْرَى لِيَمْلِكَ عَلَى شَعْبِهِ. فَقَدْ عَيَّنَ أَوَّلًا شَاوُلَ، الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا مِنْ سِبْطِ بَنْيَامِينَ، ثُمَّ عَائِلَةَ دَاوُدَ، الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا.
مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ مُوسَى سَيَكُونُ إِسْرَائِيلِيًّا، مِمَّا يَسْتَبْعِدُ مُحَمَّدًا كَتَحْقِيقٍ لِهَذِهِ النُّبُوءَةِ.
مَا مَيَّزَ مُوسَى
لِنَعُدْ إِلَى الْمِعْيَارِ الثَّانِي: النَّبِيُّ سَيَكُونُ ”مِثْلَ“ مُوسَى. لَقَدْ رَأَيْنَا بِالْفِعْلِ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ فِي نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ مُوسَى؛ وَبِالْمُثْلِ، كَانَ يَسُوعُ فِي جَوَانِبَ عَدِيدَةٍ مِثْلَ مُوسَى. وَلَكِنْ بِحَسَبِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ نَفْسِهِ، مَاذَا الَّذِي مَيَّزَ مُوسَى عَنْ بَقِيَّةِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ أَوْ حَتَّى عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْآخَرِينَ؟ مَاذَا الَّذِي سَيُمَكِّنُ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ أَنْ يُدْرِكُوا يَوْمًا أَنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى النَّبِيِّ ”الْمُشَابِهِ لِمُوسَى“؟
يَحْتَوِي الْإِصْحَاحُ الْأَخِيرُ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَدِيحِيَّةِ عَنْ مُوسَى:
”وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى، الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ، فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَرْسَلَهُ الرَّبُّ لِيَعْمَلَهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، بِحَضْرَةِ فِرْعَوْنَ وَكُلِّ عَبِيدِهِ وَكُلِّ أَرْضِهِ، وَفِي كُلِّ تِلْكَ الْيَدِ الشَّدِيدَةِ وَكُلِّ الْمَخَاوِفِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي صَنَعَهَا مُوسَى أَمَامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ.“ (التَّثْنِيَةُ ١٠:٣٤-١٢). تُنْسَبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ عَادَةً إِلَى يَشُوعَ، الْكَاتِبِ الْمُلْهَمِ لِلسِّفْرِ التَّالِي فِي الْكِتَابَاتِ الْيَهُودِيَّةِ. لَا يَقُولُ الْكَاتِبُ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ مِثْلُ هَذَا النَّبِيِّ مَرَّةً أُخْرَى بَيْنَ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، بَلْ إِنَّهُ حَتَّى وَقْتَ كِتَابَتِهِ لَمْ يَظْهَرْ أَحَدٌ مِثْلَ مُوسَى.
مَا نُرِيدُ مُلَاحَظَتَهُ تَحْدِيدًا فِي هَذَا النَّصِّ هُمَا السِّمْتَانِ الْمُمَيِّزَتَانِ لِمُوسَى:
- أَنَّ اللهَ عَرَفَ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ.
- الْمُعْجِزَاتُ وَالْآيَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي صَنَعَهَا مُوسَى.
بِالنِّسْبَةِ إِلَى السِّمَّةِ الْأُولَى، لَفَتَ اللهُ الِانْتِبَاهَ إِلَيْهَا فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ١٢. كَانَ اللهُ يَتَحَدَّثُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الْآخَرِينَ مِنْ خِلَالِ رُؤًى أَوْ أَحْلَامٍ، أَوْ كَانَ يُرْسِلُ مَلَائِكَةً لِيُبَلِّغُوا رِسَالَاتِهِ. لَكِنَّ فِي الْعَدَدِ ٧:١٢-٨، يَقُولُ اللهُ: ”لَيْسَ هَكَذَا عَبْدِي مُوسَى. هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلَى فَمٍ وَعِيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لَا بِالْأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يَنْظُرُ“. مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، لَا يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ إِنَّ مُحَمَّدًا كَانَ مِثْلَ مُوسَى. فَمُحَمَّدٌ لَمْ يَدَّعِ مِثْلَ هَذَا أَبَدًا. يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ عَادَةً إِنَّ الْمَلَكَ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَوْحَى لِمُحَمَّدٍ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ نِيَابَةً عَنِ اللهِ. يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ إِنَّهُ لَعِبَ دَوْرَ الْوَسِيطِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، فِي سُورَةِ النَّجْمِ ٢-٩، يَقُولُ اللهُ: ”مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ“. أَمَّا يَسُوعُ، فَقَدْ كَانَ أُسْلُوبُ كَلَامِهِ أَقْرَبَ إِلَى وَصْفِ مُوسَى الَّذِي نَقْرَأُهُ. قَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ فِي يُوحَنَّا ٤٠:٨: ”وَأَنْتُمُ الْآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ اللهِ.“ وَفِي يُوحَنَّا ٤٩:١٢ قَالَ: ”لِأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ الْآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ… فَأَنَا مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، فَكَمَا قَالَ لِيَ الْآبُ هَكَذَا أَتَكَلَّمُ.“
أَمَّا السِّمَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي مَيَّزَتْ مُوسَى عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْآخَرِينَ فَهِيَ كَثْرَةُ وَقُوَّةُ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي صَنَعَهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَالَّتِي أَثْبَتَتْ بِوَضُوحٍ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِإِنْقَاذِ إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّهُ هُوَ مَصْدَرُ الشَّرَائِعِ الَّتِي كَانَ مُوسَى يُبَلِّغُهَا لِلشَّعْبِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تُكْشِفُ أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ مُعْجِزَاتٍ مِثْلَمَا فَعَلَ مُوسَى. عَلَى الْأَقَلِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ نَقْرَأُ أَنَّ خُصُومَ مُحَمَّدٍ طَلَبُوا مِنْهُ: ”لِمَ لَمْ تُنَزَّلْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟“ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تُعْطَى إِجَابَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ: ”قُلْ «إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ» وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْآيَةَ يُؤْمِنُونَ؟“ (سُورَةُ الْأَنْعَامِ ١٠٩). ”قُلْ «إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي» هَٰذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“ (سُورَةُ الْأَعْرَافِ ٢٠٣). ”قُلْ «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ'“ (سُورَةُ يُونُسَ ٢٠). ”قُلْ «إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ'“ (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ ٥٠). لَا نَجِدُ فِي أَيِّ حَالَةٍ أَنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى مُحَمَّدًا الْقُدْرَةَ الْمُعْجِزَةَ لِيُظْهِرَ آيَةً تُشْبِهُ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي اشْتَهَرَ بِهَا مُوسَى وَالَّتِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تُسْكِتَ خُصُومَهُ.
بِالْمُقَابِلِ، اعْتَرَفَ مُعَاصِرُو يَسُوعَ بِالْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ لَدَيْهِ مِنَ اللهِ. فَفِي كِرَازَتِهِمْ، اسْتَشْهَدَ الرُّسُلُ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ لِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْإِيمَانِ بِيَسُوعَ. قَالَ بُطْرُسُ فِي أَعْمَالِ ٢٢:٢: ”يَا رِجَالَ إِسْرَائِيلَ، اسْمَعُوا هَذِهِ الْأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ“. حَتَّى أَعْدَاؤُهُ لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِنْكَارَ الْمُعْجِزَاتِ، فَقَالُوا: ”مَاذَا نَفْعَلُ؟ فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. إِنْ تَرَكْنَاهُ هَكَذَا يُؤْمِنُ بِهِ الْجَمِيعُ.“ (يُوحَنَّا ٤٧:١١-٤٨). مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أَيْضًا، نَرَى أَنَّ يَسُوعَ هُوَ النَّبِيُّ الْمُشَابِهُ لِمُوسَى.
وَهَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ الِاسْتِنْتَاجُ الَّذِي تَوَصَّلَ إِلَيْهِ النَّاسُ آنَذَاكَ. فَفِي يُوحَنَّا ٤٥:١، قَالَ فِيلِبُّسُ لِنَثَنَائِيلَ: ”وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالْأَنْبِيَاءَ: يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ.“ وَقَدْ اعْتَرَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ بِأَنَّ مُوسَى كَتَبَ عَنْهُ، فَقَالَ:
”لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لِأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي.“ (يُوحَنَّا ٤٦:٥). وَأَخِيرًا، رَبَطَ الرُّسُلُ فِي كِرَازَتِهِمْ بِوَضُوحٍ بَيْنَ نُبُوءَةِ التَّثْنِيَةِ وَشَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَقَالَ بُطْرُسُ لِلْيَهُودِ: ”فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلْآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ… جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ، أَخْبَرُوا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ… إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، إِذْ أَقَامَ اللهُ فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ.“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٢٢:٣-٢٦).
كَمَا رَأَيْنَا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ ”الْمُعَزِّي“ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ يَسُوعُ، وَلَا النَّبِيَّ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ مُوسَى. بِحَسَبِ الْإِنْجِيلِ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى التَّخْمِينِ حَوْلَ هَوِيَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي قَصَدَهُ مُوسَى عِنْدَمَا قَالَ ”نَبِيًّا مِثْلِي“. ذَلِكَ النَّبِيُّ هُوَ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ. لِذَلِكَ، دَعُونَا لَا نَنْسَى أَنْ نَعْمَلَ بِمَا أَوْصَى بِهِ مُوسَى بِشَأْنِ هَذَا النَّبِيِّ مَتَى جَاءَ: ”لَهُ تَسْمَعُونَ.“