بِحَسَبِ الْقُرْآنِ، أَعْلَنَ عِيسَى أَنَّ رَسُولًا آخَرَ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ. هَذَا الرَّسُولُ الْآخَرُ سَيَكُونُ اسْمُهُ ”أَحْمَدَ“، الَّذِي يَعْنِي ”الْمُحَمَّدَ“.
”وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ“ (سُورَةُ الصَّفِّ: ٦)
فِي الْحَدِيثِ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ ٥٨١٠/٤) قَالَ مُحَمَّدٌ إِنَّ اسْمَهُ، أَيْضًا، أَحْمَدَ.
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَدَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ”النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ“ (مُحَمَّدٍ) الْمَذْكُورَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ:
”وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.“ (سُورَةُ الْأَعْرَافِ ١٥٦، ١٥٧)
بِالنَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الْحَقَائِقِ، يَتَوَقَّعُ الْمُسْلِمُونَ وُجُودَ إِشَارَاتٍ إِلَى مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.
الْإِنْجِيلُ
بِخُصُوصِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَقَاطِعَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ فِيهَا يَسُوعُ عَنِ ”الْمُعَزِّي“ الَّذِي سَيَأْتِي هِيَ نُبُوءَاتٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ (يُوحَنَّا ١٦:١٤، ١٧؛ ٢٦:١٤؛ ٢٦:١٥؛ ٧:١٦-١٣).
الْجِدَالُ الْأَكْثَرُ شُيُوعًا يَعْتَمِدُ عَلَى الْكَلِمَةِ الْيُونَانِيَّةِ ”بَارَاكْلِيتُوسَ“ الَّتِي تُرْجِمَتْ إِلَى ”الْمُعَزِّي“ (لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّرْجَمَاتِ الْحَدِيثَةِ تُتَرْجِمُهَا ”الْمُسَاعِدُ“). يَدَّعِي الْمُعَلِّمُونَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قَدْ حُرِّفَتْ وَأَنَّهَا لَمْ تَحْتَوِ فِي الْأَصْلِ عَلَى كَلِمَةِ ”بَارَاكْلِيتُوسَ“، بَلْ عَلَى كَلِمَةِ ”بِيرِيكْلِيتُوسَ“ الَّتِي تَعْنِي، كَمَا هُوَ الْحَالُ، ”الْمُحَمَّدَ“، تَمَامًا مِثْلَ ”أَحْمَدَ“ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَهَكَذَا، عِنْدَمَا يَقُولُ يَسُوعُ فِي يُوحَنَّا ٦:١٤، ”وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ (بَارَاكْلِيت) لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ“، وَفِي يُوحَنَّا ١٣:١٦، ”وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ“، فَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ، خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ.
دَعُونَا نَفْحَصُ هَذِهِ الْمَقَاطِعَ لِتَحْدِيدِ مَا إِذَا كَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ صَحِيحًا. يَجِبُ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ كَلِمَةَ ”بَارَاكْلِيتُوسَ“ هِيَ تَحْرِيفٌ لِكَلِمَةِ ”بِيرِيكْلِيتُوسَ“ لَا يُشِيرُونَ إِلَى أَيِّ مُشْكِلَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِطَبِيعَةِ وَوَظَائِفِ ”الْمُعَزِّي“ كَمَا يَصِفُهُ يَسُوعُ فِي الْإِنْجِيلِ. إِلَيْكُمُ النُّصُوصُ كَامِلَةً:
يُوحَنَّا ١٦:١٤، ١٧: ”وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعِينًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لِأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.“
يُوحَنَّا ٢٦:١٤: ”وَأَمَّا الْمُعِينُ، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الْآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.“
يُوحَنَّا ٢٦:١٥، ٢٧: ”وَمَتَى جَاءَ الْمُعِينُ الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْآبِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الْآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الِابْتِدَاءِ.“
يُوحَنَّا ٧:١٦-١٥: ”لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمُعِينُ. وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلِأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلَا تَرَوْنَنِي أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلِأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.
عِنْدِي أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ أَيْضًا لِأَقُولَ لَكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوهَا الْآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلْآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.“
كُلُّ هَذِهِ الْمَقَاطِعَ لَهَا نَفْسُ السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ. هَذِهِ أَشْيَاءٌ قَالَهَا يَسُوعُ لِرُسُلِهِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ مَوْتَهُ، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ يَهُوذَا لِيَخُونَهُ. كَانَ يَعِدُ رُسُلَهُ لِلْمِحْنَةِ الْقَادِمَةِ (اعْتِقَالِهِ وَإِعْدَامِهِ) وَكَانَ يُشَجِّعُهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ الَّذِي سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ إِنْجَازُهُ عِنْدَمَا لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا بَيْنَهُمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ وَعْدَ الْمُسَاعَدَةِ مِنَ الْمُعَزِّي مَنَحَهُمُ الثِّقَةَ. وَبَعْدَ قِيَامَتِهِ، كَرَّرَ يَسُوعُ وَعْدَهُ بِشَأْنِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (الْمُعَزِّي):
”وَأَظْهَرَ نَفْسَهُ حَيًّا [لِرُسُلِهِ] بَعْدَ تَأَلُّمِهِ بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، إِذْ تَرَاءَى لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيَتَكَلَّمُ عَنْ مَا يَخُصُّ مَلَكُوتَ اللَّهِ. وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الْآبِ الَّذِي قَالَ: ’سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لِأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتُعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَيَّامِ بِكَثِيرٍ‘.“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٣:١-٥)
كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعَزِّي خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ. بَيْنَمَا وُلِدَ مُحَمَّدٌ سَنَةَ ٥٧٠ مِيلَادِيًّا وَأَعْلَنَ نُبُوَّتَهُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَبَعْدَ قُرَابَةِ ٦٠٠ سَنَةٍ، كَانَ جَمِيعُ التَّلَامِيذِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ يَسُوعُ وَأَمَرَهُمْ بِعَدَمِ مُغَادَرَةِ أُورُشَلِيمَ قَدْ مَاتُوا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ عِنْدَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ. لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ الْمُعَزِّي الْمَوْعُودَ، لَكَانَ الْوَعْدُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْإِطَارِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي حَدَّدَهُ يَسُوعُ، وَلَمَا اسْتَفَادَ الرُّسُلُ مِنْ أَيِّ مُسَاعَدَةٍ جَاءَ بِهَا.
بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ يَسُوعُ لِرُسُلِهِ عَنِ الْمُعَزِّي: ”أَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ“ (يُوحَنَّا ١٧:١٤). لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِ تَلَامِيذِ يَسُوعَ أَنْ يَعْرِفُوا مُحَمَّدًا. كَمَا يَتَضَّحُ مِنْ كَلِمَاتِ يَسُوعَ أَنَّ الْمُعَزِّي لَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا. فَقَدْ لَمْ يُسَمِّهِ ”رُوحًا“ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ. وَقَالَ لِلرُّسُلِ: ”إِنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ“.
بِصِفَتِهِ رَجُلًا فَانِيًا لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ قَادِرًا عَلَى أَنْ ”يَمْكُثَ مَعَ [الرُّسُلِ، أَوْ حَتَّى مَعَ الْبَشَرِ بِشَكْلٍ عَامٍ] إِلَى الْأَبَدِ“ (يُوحَنَّا ١٦:١٤). قَدْ يُجِيبُ أَحَدٌ مَا بِأَنَّ كَلِمَاتِ الْمُعَزِّي تَبْقَى مَعَنَا كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ. لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقُلْ أَنَّ كَلِمَاتِ الْمُعَزِّي سَتَبْقَى – بَلْ أُشِيرَ إِلَى الْمُعَزِّي نَفْسِهِ. عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، لَا تُقَدَّمُ كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَاتُ مُحَمَّدٍ، بَلْ كَلِمَاتُ اللَّهِ. أَمَّا كَلِمَاتُ مُحَمَّدٍ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ.
كَانَ عَلَى الْمُعَزِّي أَنْ ”يُعَلِّمَ كُلَّ شَيْءٍ“ (يُوحَنَّا ٢٦:١٤)؛ وَأَنْ ”يُرْشِدَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ“؛ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمُعَزِّي هُوَ الَّذِي لَدَيْهِ مَعْرِفَةٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُقَدِّمُ مُحَمَّدًا كَرَسُولٍ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مَحْدُودَةً. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يَقُولُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَالْآيَةِ ٨٦: ”وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا“. أَرَادَ بَعْضُ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَعْرِفَةَ مَصِيرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَسَأَلُوهُ عَنْهُ. فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ ٤٦، وَالْآيَةِ ٩، يَأْمُرُ اللَّهُ مُحَمَّدًا أَنْ يُجِيبَهُمْ قَائِلًا: ”قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ“. كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ مَحْدُودَةً إِذًا. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (يُونُسَ، الْآيَةِ ٩٤) يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ”فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ“. فَأَمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أَنْ يَسْتَفْسِرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَنِ النِّقَاطِ الَّتِي قَدْ يَشُكُّ فِيهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ (الْإِنْجِيلَ) وَيُمْكِنُهُمْ إِرْشَادَهُ. سَيَكُونُ مِنَ الْغَرِيبِ جِدًّا أَنْ يَحْتَاجَ ”الْمُعَزِّي“ إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُعَلِّمَنَا كُلَّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ هَذَا مَا كَانَ سَيَحْدُثُ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ الْمُعَزِّيَ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ يَسُوعُ.
قَالَ يَسُوعُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنَّ الْمُعَزِّيَ سَيَأْتِي بِاسْمِهِ (اسْمِ يَسُوعَ)، وَأَنَّهُ سَيَأْتِي اسْتِجَابَةً لِصَلَاةِ يَسُوعَ، وَأَنَّهُ سَيَأْخُذُ مَا لِيَسُوعَ وَيُعْلِنَهُ لِلنَّاسِ، وَأَنَّ دَوْرَهُ سَيَكُونُ تَمْجِيدَ يَسُوعَ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا رُبَّمَا قَالَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْجَيِّدَةِ عَنْ يَسُوعَ كَنَبِيٍّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ أَنَّهُ جَاءَ بِاسْمِ يَسُوعَ أَوْ أَنَّهُ أُرْسِلَ بَوَاسِطَةِ يَسُوعَ أَوْ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ يَسُوعَ. لَمْ يُمَجِّدْ مُحَمَّدٌ يَسُوعَ – لَمْ يَرْفَعْهُ فَوْقَ نَفْسِهِ أَوْ فَوْقَ الْأَنْبِيَاءِ الْآخَرِينَ. الْوَصْفُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ يَسُوعُ لِمَا سَيَفْعَلُهُ الْمُعَزِّي لَا يَتَوَافَقُ مَعَ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدٌ فِي رِسَالَتِهِ.
وَفْقًا لِلْإِنْجِيلِ، فَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ هُوَ الْمُعَزِّي الَّذِي وَعَدَ بِهِ يَسُوعُ رُسُلَهُ. فِي الْأَحَادِيثِ، لَمْ يُحَدِّدْ مُحَمَّدٌ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ الرُّوحُ. كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْدِمْ لَقَبَ ”الْمُعَزِّي“ لِلْإِشَارَةِ إِلَى نَفْسِهِ. لَكِنَّ الْقُرْآنَ يَعْتَرِفُ بِوُجُودِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. يَقُولُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ٢٥٣: ”وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ“. الرُّوحُ الَّذِي، وَفْقًا لِلَّهِ، أَيَّدَ يَسُوعَ كَانَ سَيَأْتِي لِمُسَاعَدَةِ رُسُلِ يَسُوعَ.
مِنَ الْمُهِمِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ آلَافَ الْمَخْطُوطَاتِ (النُّسَخِ الْمَكْتُوبَةِ بِخَطِّ الْيَدِ) لِنُصُوصِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مُتَاحَةٌ، وَهِيَ مَخْطُوطَاتٌ تَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ. لَا تَحْتَوِي أَيٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَخْطُوطَاتِ عَلَى كَلِمَةِ ”بِيرِيكْلِيتُوسَ“ فِي أَيِّ آيَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
لَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْإِنْجِيلِ قَدْ تَغَيَّرَتْ. عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، يُؤَكِّدُ الْقُرْآنُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا:
سُورَةُ الْأَنْعَامِ وَالْآيَةِ ٣٤: ”وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ“.
سُورَةُ يُونُسَ وَالْآيَةِ ٦٤: ”لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ“.
سُورَةُ الْكَهْفِ وَالْآيَةِ ٢٧: ”وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ“.
وَفِي الْإِنْجِيلِ، قَالَ الْمَسِيحُ تَصْرِيحًا مُشَابِهًا: ”السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَلَكِنْ كَلِمَاتِي لَنْ تَزُولَ“ (مَتَّى ٣٥:٢٤).
أَمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أَنْ يُوصِيَ الْمَسِيحِيِّينَ وَالْيَهُودَ بِحَزْمٍ بِأَنْ يَثِقُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُمْ وَأَنْ يُطِيعُوهُ:
”قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ“. (سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَالْآيَةِ ٦٨)
وَمَرَّةً أُخْرَى:
”قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ“. (سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالْآيَةِ ١٣٦)
يَبْدُو وَاضِحًا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْمَحَ لِلنَّاسِ بِتَغْيِيرِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَعْطَاهَا لِعِيسَى. لَمْ يَقْتَرِحْ مُحَمَّدٌ قَطُّ أَنَّ شَيْئًا مِثْلَ هَذَا قَدْ حَدَثَ. السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ وَرَاءَ وُجُودِ الْكَثِيرِ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ فِي فِكْرَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْمَسِيحُ فِي يُوحَنَّا ١٦:١٤ هُوَ بِبَسَاطَةٍ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّ نُصُوصَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي النِّهَايَةِ.