هَلْ تَمَّ تَحْرِيفُ الْإِنْجِيلِ؟

إِنْجِيلُ بَرْنَابَا

هَلْ سَمِعْتَ مِنْ قَبْلُ بِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا؟ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُونَ إِنَّهُ الْإِنْجِيلُ الْحَقِيقِيُّ الْوَاحِدُ، الَّذِي أَخْفَاهُ الْمَسِيحِيُّونَ. هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّ الْأَنْاجِيلَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مُحَرَّفَةٌ عَمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى. عَلَى عَكْسِ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَعْتَرِفُ بِهَا الْمَسِيحِيُّونَ، أَيْ أَنْاجِيلِ مَتَّى وَمَرْقُسَ وَلُوقَا وَيُوحَنَّا، فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ، الَّذِي يُزْعَمُ أَنَّ بَرْنَابَا هُوَ كَاتِبُهُ، يَذْكُرُ اسْمَ مُحَمَّدٍ بِكُلِّ وَضُوحٍ. فَعِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ أَوَّلِ إِنْسَانٍ، يَقُولُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٩: ”لَمَّا نَهَضَ آدَمُ عَلَى قَدَمَيْهِ، رَأَى فِي الْهَوَاءِ كِتَابَةً تَتَلَأْلَأُ كَالشَّمْسِ، مَكْتُوبٌ فِيهَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»“. وَبِحَسَبِ بَرْنَابَا، فَإِنَّ عِيسَى وَبَّخَ الرَّسُولَ بُطْرُسَ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَيْهِ لَقَبَ ابْنِ اللَّهِ، وَبَكَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَقَالَ فِي الْإِصْحَاحِ ١١٢:

”اعْلَمْ يَا بَرْنَابَا أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ هَذَا سَأُعَانِي اضْطِهَادًا شَدِيدًا، وَسَيَبِيعُنِي أَحَدُ تَلَامِيذِي بِثَلَاثِينَ قِطْعَةً مِنَ الْفِضَّةِ. وَعِنْدَهَا أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ مَنْ سَيَبِيعُنِي سَيُقْتَلُ بِاسْمِي، لِأَنَّ اللَّهَ سَيَرْفَعُنِي مِنَ الْأَرْضِ وَيُغَيِّرُ شَكْلَ الْخَائِنِ حَتَّى يَظُنَّ الْجَمِيعُ أَنَّهُ أَنَا. وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَمُوتُ مَوْتَةً شِرِّيرَةً، سَأَبْقَى فِي ذَلِكَ الْعَارِ زَمَنًا طَوِيلًا فِي الْعَالَمِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَأْتِي مُحَمَّدٌ، الرَّسُولُ الْمُقَدَّسُ لِلَّهِ، فَسَتُرْفَعُ هَذِهِ الْفَضِيحَةُ.“

هَذِهِ أَفْكَارٌ تَتَفَقُّ تَمَامًا مَعَ مُعْتَقَدَاتِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنْ قَبْلَ قَبُولِ هَذِهِ الْوُثِيقَةِ كَوُثِيقَةٍ مَوْثُوقَةٍ، مِنَ الْأَفْضَلِ فَحْصُهَا بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ.

إِنَّهُ يُنَاقِضُ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ

الَّذِينَ يُؤَيِّدُونَ فِكْرَةَ أَنَّ الْوُثِيقَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا هِيَ الْإِنْجِيلُ الْحَقِيقِيُّ، رُبَّمَا لَمْ يَقْرَأُوهُ أَبَدًا. مِثْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ دُونَ تَأْكِيدِ الْحَقِيقَةِ فِكْرَةَ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ قَدْ حُرِّفَ، هَؤُلَاءِ بِالتَّأْكِيدِ ارْتَكَبُوا خَطَأَ قَبُولِ فِكْرَةَ أَنَّ إِنْجِيلَ بَرْنَابَا هُوَ سَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لِحَيَاةِ وَكَلِمَاتِ عِيسَى دُونَ مُعَايَنَةٍ. نَعَمْ، إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَتَعَارَضُ مَعَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَلَكِنَّهُ يَتَعَارَضُ مَعَ الْقُرْآنِ أَيْضًا.

عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يَقُولُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣: ”وَبَيْنَمَا كَانَ يُوسُفُ هُنَاكَ، تَمَّتِ الْأَيَّامُ لِيُولَدَ الْمَسِيحُ. فَحَلَّ نُورٌ عَظِيمٌ جِدًّا حَوْلَ الْعَذْرَاءِ، فَوَلَدَتِ ابْنَهَا دُونَ أَلَمٍ“. لَكِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ بِوَضُوحٍ عَنْ مَرْيَمَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ٢٣: ”فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنْسِيًّا“.

تَعَارُضٌ آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِلَقَبِ الْمَسِيحِ. وَفْقًا لِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا، الْإِصْحَاحِ ٤٢: ”اعْتَرَفَ عِيسَى وَقَالَ الْحَقَّ: «أَنَا لَسْتُ الْمَسِيحَ»“. وَيُزْعَمُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْمَسِيحَ. نَقْرَأُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٣: ”لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمُونَهُ الْمَسِيحَ ابْنَ دَاوُدَ، فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ رَبًّا؟ صَدِّقُونِي، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: الْوَعْدُ كَانَ فِي إِسْمَاعِيلَ، لَا فِي إِسْحَاقَ“. لَكِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ الْعَكْسَ تَمَامًا، حَيْثُ يَنْسِبُ لَقَبَ ”الْمَسِيحِ“ لِعِيسَى وَحْدَهُ. مَثْلًا، فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ١٧١: ”الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ“. وَلَا الْقُرْآنُ وَلَا الْأَحَادِيثُ تُطْلِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ لَقَبَ الْمَسِيحِ أَبَدًا.

الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ٢٩: يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ ”ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ“. لَكِنَّ إِنْجِيلَ بَرْنَابَا يَقُولُ إِنَّ هُنَاكَ تِسْعَ سَمَوَاتٍ: ”أَجَابَ عِيسَى: «الْجَنَّةُ عَظِيمَةٌ جِدًّا لَا يَقِيسُهَا إِنْسَانٌ. الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ السَّمَوَاتِ تِسْعٌ… وَلَكِنْ تَوَقَّفُوا عِنْدَ قِيَاسِ السَّمَاءِ الْأُولَى، فَهِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا أَعْظَمُ مِنْ حَبَّةِ رَمَلٍ. وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ أَعْظَمُ مِنَ الْأُولَى، وَالثَّالِثَةُ أَعْظَمُ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا حَتَّى السَّمَاءُ الْأَخِيرَةَ'“ (الْإِصْحَاحِ ١٧٨).

الْقُرْآنُ يُجِيزُ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ، لَكِنَّ إِنْجِيلَ بَرْنَابَا يَحْظُرُهُ فِي الْإِصْحَاحِ ١١٥.

كُلُّ مَسِيحِيٍّ يَقْرَأُ إِنْجِيلَ بَرْنَابَا يَرَى فَوْرًا أَنَّهُ يُنَاقِضُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فِي نِقَاطٍ عَدِيدَةٍ. إِذَا كَانَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كَلِمَةَ اللَّهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْجِيلُ بَرْنَابَا كَذَلِكَ. أَمَّا الْمُسْلِمُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ مَا يُسَمَّى بِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا لَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْقُرْآنِ. إِذَا كَانَ يُنَاقِضُ كُلًّا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْقُرْآنِ، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ لَيْسَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى الْإِنْجِيلَ لِعِيسَى. أَمَّا الْكِتَابُ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنَا، فَلَا يُمْكِنُ بِأَيِّ حَالٍ أَنْ يَكُونَ الْإِنْجِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ.

لَمْ يَأْتِ مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَلَا مِنْ فِلَسْطِينَ

بَرْنَابَا الْحَقِيقِيُّ كَانَ يَهُودِيًّا مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ. تَلَامِيذُ عِيسَى تَبِعُوا مُعَلِّمَهُمْ فِي أَرْجَاءِ مُقَاطَعَاتِ فِلَسْطِينَ مِثْلَ الْجَلِيلِ وَيَهُوذَا. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ كَاتِبَ إِنْجِيلِ بَرْنَابَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ جُغْرَافِيَا فِلَسْطِينَ. فِي الْإِصْحَاحِ ٢٠ يَقُولُ إِنَّ عِيسَى رَكِبَ قَارِبًا وَأَبْحَرَ إِلَى النَّاصِرَةِ! وَبَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، انْتَشَرَ الْبَحَّارَةُ فِي الْمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنْ مُعْجِزَةٍ فَعَلَهَا عِيسَى. لَكِنَّ النَّاصِرَةَ لَيْسَتْ قَرِيبَةً مِنْ بُحَيْرَةِ الْجَلِيلِ، بَلْ تَقَعُ فِي التِّلَالِ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْبُحَيْرَةِ. وَفْقًا لِبَرْنَابَا، غَادَرَ عِيسَى النَّاصِرَةَ ”وَصَعِدَ“ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ. وَهَذَا خَطَأٌ آخَرُ، لِأَنَّ كَفْرِنَاحُومَ تَقَعُ عَلَى شَاطِئِ بُحَيْرَةِ الْجَلِيلِ وَلَا يُمْكِنُ ”الصُّعُودُ“ إِلَيْهَا، خَاصَّةً مِنَ النَّاصِرَةِ.

فِي الْإِصْحَاحِ ٣ يَقُولُ ”بَرْنَابَا“ إِنَّ عِيسَى وُلِدَ أَثْنَاءَ حُكْمِ بِلَاطُسَ الْبُنْطِيِّ. فِي الْحَقِيقَةِ، كَانَ هِيرُودُسُ الْعَظِيمُ هُوَ مَلِكُ فِلَسْطِينَ كُلِّهَا عِنْدَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ. لَمْ يُرْسَلْ بِلَاطُسُ لِحُكْمِ الْيَهُودِيَّةِ إِلَّا عَامَ ٢٦ مِيلَادِيَّ.

كَاتِبُ بَرْنَابَا لَا يَعْرِفُ أَنَّ ”الْمَسِيحَ“ وَ“الْمَاشِيحَ“ يَعْنِيَانِ نَفْسَ الشَّيْءِ، فَهُوَ دَائِمًا يَقُولُ ”يَسُوعَ الْمَسِيحِ“ لَكِنَّهُ يَجْعَلُ عِيسَى يَقُولُ: ”أَنَا لَسْتُ الْمَسِيحَ“. فِي الْحَقِيقَةِ، كَلِمَةُ ”Christ“ تَأْتِي مِنَ الْيُونَانِيَّةِ ”christos“، وَ“الْمَاشِيحَ“ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ ”mashiach“، وَكِلْتَاهُمَا تَعْنِيَانِ: ”الْمَمْسُوحَ“ (الْمُخْتَارَ).

إِنْجِيلُ بَرْنَابَا مَلِيءٌ بِمَا يُسَمَّى ”الْمُغَالَطَاتِ الزَّمَنِيَّةَ“، وَهِيَ وَضْعُ حَقَائِقَ أَوْ عَادَاتٍ أَوْ أَشْخَاصٍ (الْخ.) فِي زَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِهَا الْحَقِيقِيِّ، إِمَّا خَطَأً أَوْ جَهْلًا. إِلَيْكُمْ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ:

فِي الْإِصْحَاحِ ٩٢ يُقَالُ إِنَّ ”عِيسَى وَتَلَامِيذَهُ ذَهَبُوا إِلَى جَبَلِ سِينَاءَ بِأَمْرٍ مِنَ الْمَلَاكِ الْمُقَدَّسِ، وَصَامُوا الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا (الصَّوْمُ الْكَبِيرُ)“. الْمُشْكِلَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَيُّ صَوْمٍ لِمُدَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لَا فِي الشَّرِيعَةِ وَلَا فِي التَّقَالِيدِ. هَذِهِ الْعَادَةُ بَدَأَتْ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ كَتَقْلِيدٍ كَاثُولِيكِيٍّ، وَلَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي زَمَنِ عِيسَى وَتَلَامِيذِهِ.

كُلَّمَا اقْتَبَسَ إِنْجِيلُ بَرْنَابَا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، اسْتَخْدَمَ التَّرْجَمَةَ اللَّاتِينِيَّةَ (الْفُلْجَاتَا)، الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا بَعْدَ قُرُونٍ مِنْ مَوْتِ بَرْنَابَا الْحَقِيقِيِّ.

فِي الْإِصْحَاحِ ١٥٢ نَجِدُ جُمْلَةً غَرِيبَةً: ”فَتَدَحْرَجَ الْجُنُودُ مِنَ الْهَيْكَلِ كَمَا تَتَدَحْرَجُ بَرَامِيلُ الْخَشَبِ عِنْدَمَا تُغْسَلُ لِتَمْلَأَ بِالْخَمْرِ“. الْكَاتِبُ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَظْهَرَ كَيَهُودِيٍّ مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يَكُنْ يُحْفَظُ فِي بَرَامِيلَ خَشَبٍ آنَذَاكَ، خَاصَّةً فِي فِلَسْطِينَ حَيْثُ كَانُوا يَسْتَخْدِمُونَ الْقِرَبَ الْجِلْدِيَّةَ أَوِ الْجِرَارَ الْفَخَّارِيَّةَ. الْبَرَامِيلُ الْخَشَبِيَّةُ لَمْ تَظْهَرْ فِي الْإِمْبَرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ قَبْلَ عَامِ ٣٠٠ مِيلَادِيٍّ.

هُنَاكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ كَهَذِهِ، لَكِنَّ الْوَاضِحَ أَنَّ الْكِتَابَ يَحْتَوِي عَلَى أَخْطَاءٍ تُظْهِرُ أَنَّ كَاتِبَهُ لَمْ يَعِشْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ وَلَا فِي فِلَسْطِينَ. مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ لَمْ يَكُنْ رَفِيقًا لِعِيسَى وَلَا حَتَّى مِنْ تَلَامِيذِهِ الْأَوَّلِينَ، بَلْ عَاشَ بَعْدَ قُرُونٍ وَفِي بَلَدٍ آخَرَ.

أَجْزَاءٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْإِنْجِيلِ تُثْبِتُ السَّرِقَةَ الْأَدَبِيَّةَ. مِثْلًا فِي الْإِصْحَاحِ ١٣٥: ”اعْلَمُوا أَنَّ الْجَحِيمَ وَاحِدٌ وَلَكِنَّ لَهُ سَبْعَ دَوَائِرَ بَعْضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّ الْخَطِيَّةَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ وَلَدَهَا مِنْ أَبْوَابِ الْجَحِيمِ السَّبْعِ“. هَذِهِ الْعِبَارَاتُ مَأْخُوذَةٌ حَرْفِيًّا مِنْ كِتَابِ ”الْكُومِيدْيَا الْإِلَهِيةِ“ لِلْكَاتِبِ الْإِيطَالِيِّ دَانْتِي أَلِيجْيِيرِي، الَّذِي كُتِبَ عَامَ ١٣١٤ مِيلَادِيٍّ!“

مُشْكِلَةُ الْمَخْطُوطَاتِ

أَخِيرًا، لِنَتَناوَلْ مَسْأَلَةَ الْمَخْطُوطَاتِ. هُنَاكَ آلَافُ الْمَخْطُوطَاتِ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، نُسَخٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْيَدِ، يَعُودُ الْعَدِيدُ مِنْهَا إِلَى الْقَرْنَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ الْمِيلَادِيَّ. لَمْ يُكْتَبِ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَصِفُهَا. الْأَنْاجِيلُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، أَيْ أَنْاجِيلُ مَتَّى وَمَرْقُسَ وَلُوقَا وَيُوحَنَّا، مَذْكُورَةٌ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ مِنْ قِبَلِ الْمُؤَلِّفِينَ الْمَسِيحِيِّينَ فِي أَقْدَمِ الْوُثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ. بِبَسَاطَةٍ، مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكُتُبُ قَدِ اخْتُلِقَتْ لَاحِقًا، خَاصَّةً بَعْدَ زَمَنِ مُحَمَّدٍ.

مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَا نَجِدُ أَيَّ ذِكْرٍ لِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا قَبْلَ عَامِ ١٦٣٤م يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَافَقَ مَعَ الْكِتَابِ الَّذِي نُنَاقِشُهُ. الْإِشَارَةُ فِي عَامِ ١٦٣٤م جَاءَتْ مِنْ مُؤَلِّفٍ تُونِسِيٍّ يُدْعَى إِبْرَاهِيمَ الطَّيْبِلِيَّ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْطُوطَاتِ، فَلَا يُعْرَفُ سِوَى مَخْطُوطَتَيْنِ لِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا، وَاحِدَةٌ بِالْإِيطَالِيَّةِ وَالْأُخْرَى بِالْإِسْبَانِيَّةِ، وَكِلْتَاهُمَا تَعُودَانِ إِلَى الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ. الْمَخْطُوطَةُ الْإِسْبَانِيَّةُ فُقِدَتْ، وَلَكِنْ تَمَّ عَمَلُ نُسْخَةٍ مِنْهَا فِي الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ قَبْلَ اخْتِفَائِهَا. لَمْ يُعْثَرْ عَلَى أَيِّ مَخْطُوطَةٍ أُخْرَى لِلْكِتَابِ قَطُّ. لَا يُوجَدُ أَيُّ دَلِيلٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا خِلَالَ الْـ١٣٠٠ سَنَةٍ الْأُولَى بَعْدَ حَيَاةِ عِيسَى. يَقْتَرِحُ الْمُطَّلِعُونَ أَنَّ إِنْجِيلَ بَرْنَابَا كُتِبَ بِوَاسِطَةِ مُؤَلِّفٍ مَجْهُولٍ فِي وَقْتٍ مَا بَيْنَ الْقُرُونِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ هَذَا الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، كَمَا كَانَ بَرْنَابَا الْحَقِيقِيُّ.

[قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، انْتَشَرَتْ شَائِعَاتٌ عَلَى الْإِنْتِرْنِتِ: ”مَخْطُوطَةٌ قَدِيمَةٌ… عُثِرَ عَلَيْهَا مَعَ عَصَابَاتٍ… مِنْ قِبَلِ الشُّرْطَةِ التُّرْكِيَّةِ… أَسْرَارٌ… مُخَبَّأَةٌ لِمُدَّةِ ١٥٠٠ سَنَةٍ… الْفَاتِيكَانُ خَائِفٌ…“ يُزْعَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةَ مَكْتُوبَةٌ بِاللُّغَةِ الْآرَامِيَّةِ، اللَّغَةِ الَّتِي تَحَدَّثَ بِهَا عِيسَى. أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِنْجِيلُ الْمَفْقُودُ، إِنْجِيلُ بَرْنَابَا؟ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا. الْمَخْطُوطَةُ لَيْسَتْ بِهَذَا الْقِدَمِ. أَوَّلًا، لَيْسَتْ مَكْتُوبَةٌ بِالْآرَامِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَخْدَمَةً فِي زَمَنِ عِيسَى، بَلْ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ، وَهِيَ لَهْجَةٌ آرَامِيَّةٌ كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ بِالْقُرْبِ مِنْ تُرْكِيَا. طَرِيقَةُ كِتَابَةِ الْكَلِمَاتِ لَيْسَتْ بِالْخَطِّ الْكَلَاسِيكِيِّ بَلْ بِخَطٍّ أَحْدَثَ. أَخِيرًا، الْمَخْطُوطَةُ نَفْسُهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي نِينَوَى عَامَ ١٥٠٠م. إِذَنْ كُتِبَتْ فِي سَنَةِ ١٥٠٠م، وَلَيْسَ قَبْلَ ١٥٠٠ سَنَةٍ، كَمَا ادَّعَتِ التَّقَارِيرُ الْإِعْلَامِيَّةُ خَطَأً. أَمَّا مُحْتَوَاهَا: فَقَدْ قَامَ رَجُلٌ اسْمُهُ تَاتِيَانُ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي بِصِيَاغَةِ تَرْكِيبٍ لِلْأَنْاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ لِيَجْعَلَ مِنْهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً، تُسَمَّى ”الدِّيَاطَسْرُونُ“. الْمَخْطُوطَةُ الَّتِي نُوقِشَتْ عَلَى الْإِنْتِرْنِتِ هِيَ عَلَى مَا يَبْدُو تَرْجَمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ لِلدِّيَاطَسْرُونِ تَمَّتْ عَنِ النُّسْخَةِ الْيُونَانِيَّةِ. هَذِهِ التَّرْجَمَةُ، الَّتِي تُوجَدُ لَهَا مَخْطُوطَاتٌ أُخْرَى، مَعْرُوفَةٌ بِاسْمِ ”الْبَسِيطَةُ“.]

اسْتِنْتَاجٌ

إِنَّ مَا يُسَمَّى بِإِنْجِيلِ بَرْنَابَا هُوَ زَائِفٌ وَبَاطِلٌ بِوَضُوحٍ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَاجِئَنَا: فَقَدْ رَأَيْنَا بِالْفِعْلِ أَنَّهُ يُنَاقِضُ كُلًّا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْقُرْآنِ. إِنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةَ اللَّهِ. إِنَّهُ لَيْسَ سَرْدًا شَاهِدَ عِيَانٍ لِحَيَاةِ عِيسَى. وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُثِيرَ الشَّكَّ فِي صِحَّةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ مُقَارَنَةَ الْإِنْجِيلِ الْحَقِيقِيِّ بِهَذَا الْإِنْجِيلِ الْمَزِيفِ تُعَزِّزُ ثِقَتَنَا فِي مَصْدَاقِيَّةِ الْإِنْجِيلِ الَّذِي نَمْتَلِكُهُ. لِذَلِكَ احْصُلْ عَلَى نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَاقْرَأْهُ!

→ الْمَقَالُ السَّابِقُ
لِمَاذَا أَرْسَلَ اللهُ عِدَّةَ وَحْيٍ؟
الْمَقَالُ التَّالِي ←
هَلْ يَتَحَدَّثُ الإِنْجِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ؟ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ – الإِنْجِيلُ)