يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ هُوَ بِلا شَكٍّ مَحْوِرُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، كَمَا يَحْتَلُّ مَكَانَةً مُهِمَّةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. كِلَا الْكِتَابَيْنِ يَمْنَحَانِهِ لَقَبَ ”نَبِيٍّ“. اسْمُ ”عِيسَى“ – وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي يُذْكَرُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ – يَرِدُ ٢٥ مَرَّةً فِيهِ، دُونَ حِسَابِ الْآيَاتِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَيْهِ بِأَسْمَاءَ أُخْرَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَكَانَةَ يَسُوعَ مُهِمَّةٌ جِدًّا لِلْمَسِيحِيِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. لَكِنْ هَلْ يُصِحُّ أَنْ نَرْفَعَ مِنْ شَأْنِهِ لِيَكُونَ أَعْلَى مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ الْآخَرِينَ؟ وَلِمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْظَى بِاهْتِمَامٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ؟
مَجِيءُ الْمَسِيحِ كَانَ مُتَنَبَّأً بِهِ
مِنْ أَوَّلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْفِتُ انْتِبَاهَنَا بِشَأْنِ الْمَسِيحِ هُوَ أَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ قَدْ تَنَبَّأَ بِهِ أَنْبِيَاءُ اللهِ الْآخَرُونَ، لَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ بِطَرِيقَةٍ غَامِضَةٍ، بَلْ بِوَضُوحٍ وَفِي الْعَدِيدِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. الشَّعْبُ الْيَهُودِيُّ لَمْ يَفْهَمْ جَيِّدًا طَبِيعَةَ الْمَسِيحِ وَالْعَمَلَ الَّذِي كُلِّفَهُ اللهُ بِهِ، لَكِنَّ بَعْضَ الْأُمُورِ كَانَتْ وَاضِحَةً لَهُمْ، كَمَا نَرَى فِي مَتَّى ٢: ١-٦ حَيْثُ يَقُولُ:
”وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ، قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لِأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ.“
هَذِهِ النُّبُوءَةُ الَّتِي تَنَبَّأَ بِهَا الْكَهَنَةُ وَالْكُتَبَةُ مَذْكُورَةٌ فِي سِفْرِ مِيخَا النَّبِيِّ، وَقَدْ كُتِبَتْ قَبْلَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ بِـ ٧٠٠ سَنَةٍ!
حَتَّى مُعْجِزَةَ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ كَانَ مُتَنَبَّأً بِهَا. فَقَدْ أَعْلَنَ النَّبِيُّ إِشَعْيَاءُ أَنَّ عَذْرَاءَ سَتَحْمِلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَى ”عِمَّانُوئِيلَ“، وَهُوَ أَحَدُ الْأَسْمَاءِ الَّتِي أُطْلِقَتْ عَلَى الْمَسِيحِ. هَذِهِ النُّبُوءَةُ تَعُودُ إِلَى الْقَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ الْمِيلَادِ (إِشَعْيَاءُ ٧: ١٤).
كَمَا اشْتَهَرَ الْمَسِيحُ بِمُعْجِزَاتِهِ الْخَارِقَةِ، وَالَّتِي تَنَبَّأَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ مُسْبَقًا. فَفِي إِشَعْيَاءَ ٣٥: ٤-٦ نَقْرَأُ:
”هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ. حِينَئِذٍ تَنْفَتِحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الْأَعْرَجُ كَالْإِيَّلِ، وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الْأَخْرَسِ.“وَ حَتَّى يُوحَنَّا الْمُعَمْدَانُ، عِنْدَمَا سُجِنَ مِنْ قِبَلِ هِيرُودُسَ، تَسَاءَلَ إِنْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ فِي فَهْمِ هَوِيَّةِ الْمَسِيحِ. فَأَرْسَلَ تَلَامِيذَهُ لِيَسْأَلُوا يَسُوعَ: ”أَأَنْتَ هُوَ الْآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟“ فَأَجَابَهُمْ يَسُوعَ: ”اذْهَبُوا وَأَخْبِرُوا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعُونَ وَتَرَوْنَ: الْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لَا يَعْثُرُ فِيَّ.“ (مَتَّى ١١: ٤-٦).كَانَ قَدْ سَأَلَ يُوحَنَّا يَسُوعَ إِذَا هُوَ حَقًّا الشَّخْصُ الَّذِي النَّاسُ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَأْتِيَ. بِهَذَا، أَشَارَ الْمَسِيحُ إِلَى أَنَّ مُعْجِزَاتِهِ هِيَ تَحْقِيقٌ لِنُبُؤَاتِ أَشْعِيَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ الْمُنْتَظَرِ.
عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِمَوْتِ يَسُوعَ، فَإِنَّ النُّبُوءَاتِ عَنْهُ تَكُونُ أَكْثَرَ عَدَدًا. لَقَدْ أُعْلِنَ مُسْبَقًا أَنَّهُ سَيَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ، وَأَنَّهُ سَيُخَانُ مِنْ قَبَلِ صَدِيقٍ وَاحِدٍ وَسَيَتَخَلَّى عَنْهُ الْبَاقُونَ، وَأَنَّ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ سَتُثْقَبَانِ، وَأَنَّ النَّاسَ سَيُلْقُونَ قُرْعَةً لِتَقْسِيمِ مَلَابِسِهِ، وَأَنَّهُ سَيَعْطَشُ وَسَيُعْطَى خَلًّا لِيَشْرَبَهُ، وَأَنَّ عِظَامَهُ لَنْ تُكْسَرَ وَلَكِنْ جَنْبَهُ سَيُطْعَنُ. حَتَّى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَنَبَّأُوا بِالْكَلِمَاتِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي سَيُهْزَأُ بِهَا الْمُسْتَهْزِئُونَ: «إِنْ كَانَ الرَّبُّ يُسَرُّ بِهِ فَلْيُنْقِذْهُ!» (مَزْمُورُ ٢٢: ٨؛ مَتَّى ٢٧: ٤٣).
كَتَبَ النَّبِيُّ زَكَرِيَّا قَبْلَ أَرْبَعَةِ قُرُونٍ مِنْ مَوْتِ الْمَسِيحِ: ”فَوَزَنُوا لِي أُجْرَتِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ! – ذَلِكَ الثَّمَنُ الْكَرِيمُ الَّذِي قَوَّمُونِي بِهِ. فَأَخَذْتُ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا فِي بَيْتِ الرَّبِّ لِلْفَخَّارِيِّ“ (زَكَرِيَّا ١١: ١٢، ١٣).
أَمَّا الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْقِصَّةَ جَيِّدًا فَيَعْلَمُونَ أَنَّ يَهُوذَا، الَّذِي خَانَ يَسُوعَ، تَلَقَّى بِالضَّبْطِ ثَلَاثِينَ قِطْعَةً مِنَ الْفِضَّةِ مُقَابِلَ أَنْ يُعْطِيَ أَعْدَاءَ الرَّبِّ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُونَهَا لِاعْتِقَالِ يَسُوعَ بَعِيدًا عَنِ الْجُمُوعِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا رَأَى يَهُوذَا مَا حَدَثَ بَعْدَ خِيَانَتِهِ، شَعَرَ بِنَدَمٍ شَدِيدٍ. يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّ يَهُوذَا أَعَادَ الثَّلَاثِينَ قِطْعَةً مِنَ الْفِضَّةِ وَرَمَى بِهَا فِي الْهَيْكَلِ ثُمَّ خَرَجَ لِيَشْنَقَ نَفْسَهُ. فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْمَالَ وَاسْتَخْدَمُوهُ لِشِرَاءِ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ لِيَكُونَ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ (مَتَّى ٢٧: ٣-٧).
فِي الْإِصْحَاحِ ٥٣ مِنْ سِفْرِ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ، نَجِدُ أَنَّ الْمَسِيحَ سَيَكُونُ مَكْرُوهًا مِنَ النَّاسِ، خَبِيرًا بِالْأَحْزَانِ وَمَرْفُوضًا مِنْ شَعْبِهِ، لَكِنَّهُ أَيْضًا سَيُعَاقَبُ عَنْ خَطَايَا الْآخَرِينَ، وَسَيَتَشَفَّعُ عَنِ الْمَذْنُوبِينَ، وَسَيُعَدُّ مَعَ الْأَثَمَةِ، وَسَيَكُونُ قَبْرُهُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ وَسَيُقَامُ مِنَ الْأَمْوَاتِ.
خِدْمَةُ يُوحَنَّا الْمُعَمْدَانِ
بِالْإِضَافَةِ إِلَى كُلِّ هَذِهِ النُّبُوءَاتِ، أَرْسَلَ اللهُ رَسُولًا خَاصًّا فَقَطْ لِيُعْلِنَ مَجِيءَ يَسُوعَ. الْقُرْآنُ يَقِرُّ بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ كَانَ نَبِيًّا، رَجُلًا مُسْتَقِيمًا، رَجُلًا قَالَ الْحَقَّ لِلنَّاسِ. هَذَا الرَّسُولُ، الَّذِي يُسَمِّيهِ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يُوحَنَّا وَيَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ بِاسْمِ يَحْيَى، عَرَّفَ عَنْ نَفْسِهِ بِبَسَاطَةٍ كَصَوْتٍ، صَوْتٍ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: ”أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ“ (يُوحَنَّا ١: ٢٣). دَعُونَا نَقُولُ عَابِرِينَ أَنَّ حَتَّى هَذَا الْجَانِبَ مِنْ حَيَاةِ يَسُوعَ كَانَ قَدْ تَنَبَّأَ بِهِ. سِفْرُ مَلَاخِي، آخِرُ أَسْفَارِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، يَحْتَوِي عَلَى نُبُوءَةٍ أَنَّ اللهَ سَيُرْسِلُ رَسُولَهُ لِيُهَيِّئَ الطَّرِيقَ بِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى التَّوْبَةِ (مَلَاخِي ١:٣). عِنْدَمَا يَكُونُ رَئِيسُ دَوْلَةٍ عَلَى وَشْكِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَانٍ مَا، مِنَ الْمَعْتُودِ إِرْسَالُ أَشْخَاصٍ مُقَدَّمًا حَتَّى يَتِمَّ اسْتِقْبَالُهُ بِطَرِيقَةٍ تَلِيقُ بِكَرَامَتِهِ. هَذَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ يُوحَنَّا لِيَسُوعَ، الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَادِمًا لِيَحْمِلَ بَرَكَةً لِلْبَعْضِ وَدِينُونَةً لِلْآخَرِينَ. يَقُولُ إِنْجِيلُ لُوقَا ٣: ١٥-١٧:
”وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قَائِلًا: «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلَكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لَا تُطْفَأُ»“
عِنْدَمَا جَاءَ يَسُوعُ لِيَعْتَمِدَ، قَالَ يُوحَنَّا لِلْجَمْعِ: ”هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ! هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ قَدْ صَارَ قُدَّامِي، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي“ (يُوحَنَّا ١: ٢٩، ٣٠). كَانَتْ مَهَمَّةُ يُوحَنَّا هِيَ إِعْدَادُ الشَّعْبِ لِاسْتِقْبَالِ النَّبِيِّ الَّذِي سَيَأْتِي بَعْدَهُ – يَسُوعَ – بِطَرِيقَةٍ تَلِيقُ بِهِ.
إِنَّ مَجَرَّدَ التَّحْضِيرِ لِمَجِيءِ يَسُوعَ يَجِبُ أَنْ يُثِيرَ إِعْجَابَنَا بِشِدَّةٍ. أَمَّا حَيَاتُهُ وَأَعْمَالُهُ فَسَتُثِيرَانِ إِعْجَابَنَا أَكْثَرَ.
حَيَاةٌ بِلَا خَطِيئَةٍ
تُؤَكِّدُ عِدَّةُ فَقَرَاتٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْفِكْرَةَ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْتَكِبْ خَطِيئَةً. فِي كُورِنْثُوسَ الثَّانِيَةِ ٢١:٥ كَتَبَ الرَّسُولُ بُولُسُ: ”لِأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيئَةً، خَطِيئَةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ“. كَمَا أَيَّدَ الرَّسُولُ بُطْرُسُ الْحَقِيقَةَ ذَاتَهَا: ”الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيئَةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ“ (١ بُطْرُسَ ٢٢:١). وَيَقْتَبِسُ بُطْرُسُ هُنَا كَلِمَةً مِنَ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ: ”وَجُعِلَ مَعَ الْأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ“ (إِشَعْيَاءُ ٩:٥٣). لَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخَرُونَ فَقَطْ هُمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّ يَسُوعَ بِلَا خَطِيئَةٍ. فَقَدْ تَحَدَّى يَسُوعُ نَفْسُهُ مُعَارِضِيهِ بِقَوْلِهِ: ”مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيئَةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟“ (يُوحَنَّا ٤٦:٨).
لَمْ يُحَاوِلْ مُحَمَّدٌ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ يَسُوعَ ارْتَكَبَ خَطِيئَةً. عَلَى الْعَكْسِ، نَرَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ آيَةَ ١٩ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمَلَكَ قَالَ لِمَرْيَمَ: ”إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا“. وَيَقُولُ أَحَدُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُسْلِمِينَ وَيُدْعَى الرَّازِيُّ أَنَّ لَقَبَ الْمَسِيحِ أُعْطِيَ لِيَسُوعَ لِأَنَّهُ كَانَ خَالِيًا مِنْ دَنَسِ الْخَطِيئَةِ. وَالْغَرِيبُ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مِنَ النَّقَاءِ لَا تُنْسَبُ لِأَيِّ نَبِيٍّ آخَرَ فِي الْقُرْآنِ. فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ نَرَى عَجْزَاتٍ بَلْ وَأَحْيَانًا خَطَايَا الْأَنْبِيَاءِ الْآخَرِينَ. آدَمُ أَكَلَ الثَّمَرَةَ الْمَحَرَّمَةَ؛ نُوحٌ سَكِرَ؛ إِبْرَاهِيمُ كَذَبَ؛ يَعْقُوبُ خَدَعَ أَبَاهُ؛ دَاوُدُ زَنَى؛ سُلَيْمَانُ عَبَدَ أَصْنَامَ نِسَائِهِ. حَتَّى مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ لَدَيْهِ خَطِيئَةٌ فِي حَيَاتِهِ. أَكْثَرُ مِنْ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ تَحُثُّهُ عَلَى طَلَبِ مَغْفِرَةِ خَطِيئَتِهِ. تَبْدَأُ السُّورَةُ ٤٨ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا اللهُ مُحَمَّدًا: ”إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا“. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، اعْتَرَفَ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَصِيرَهُ الْأَبَدِيَّ. ”قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ“ (٩:٤٦).
قَالَ الرَّسُولُ يُوحَنَّا: ”إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيئَةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا“ (١ يُوحَنَّا ٨:١). لَكِنَّ هَذَا نَفْسُ يُوحَنَّا قَالَ عَنْ يَسُوعَ: ”وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيئَةٌ“ (١ يُوحَنَّا ٥:٣). لَا شَكَّ أَنَّ يَسُوعَ يَخْتَلِفُ بِوَضُوحٍ عَنْ جَمِيعِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ اعْتَرَفَ بِهِمُ النَّاسُ كَأَنْبِيَاءَ.