مَوْتُ يَسُوعَ

هَلْ مَاتَ يَسُوعُ حَقًّا؟ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ)

غَالِبًا مَا يَنْسُبُ الْكَاثُولِيكُ وَالْبُرُوتَسْتَانْتُ إِلَى يَسُوعَ أَفْكَارًا لَمْ يُعَلِّمْهَا وَلَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. إِنْشَاءُ الْأَدْيِرَةِ، طُقُوسُ التَّثْبِيتِ، اعْتِرَافُ الْخَطَايَا أَمَامَ الْكَاهِنِ، وَ“سِرُّ“ ”مَسْحَةِ الْمَرْضَى“ (دَهْنُ الْمُحْتَضَرِينَ بِالزَّيْتِ) هِيَ أَمْثِلَةٌ عَلَى مُمَارَسَاتٍ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ، وَيُمْكِنُ ذِكْرُ الْعَدِيدِ غَيْرِهَا. هَذِهِ الْمُمَارَسَاتُ، الَّتِي كَانَتْ مَجْهُولَةً لِلْمَسِيحِيِّينَ لِقُرُونٍ، أَصْبَحَتْ الْآنَ أَجْزَاءً أَسَاسِيَّةً مِنْ إِيمَانِ مَلَايِينِ الْأَشْخَاصِ وَنَادِرًا مَا يَتِمُّ التَّشَكُّكُ فِيهَا. بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، يَقْبَلُ غَالِبِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَعَقَائِدَ إِيمَانِيَّةٍ أَفْكَارًا وَمُمَارَسَاتٍ مُعَيَّنَةً، دُونَ أَنْ يَشُكُّوا فِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمْ تَتَمَّ تَعْلِيمُهَا مِنْ قَبْلُ الَّذِي يَعْتَبِرُونَهُ آخِرَ أَنْبِيَاءِ اللهِ. هَذِهِ الظَّاهِرَةُ تُفَسِّرُ جُزْءًا مِنَ الِانْقِسَامِ بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ: مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، أَضَافَ النَّاسُ عَقَائِدَ وَمُمَارَسَاتٍ ابْتَعَدَتْ بِهِمْ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَزَادَتْ أَيْضًا مِنَ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْمَسِيحِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ.

نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمَرْكَزِيَّةَ لِلْمَسِيحِيَّةِ تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْدَاثٍ تَارِيخِيَّةٍ: ١) يَسُوعُ الْمَسِيحُ مَاتَ عَلَى الصَّلِيبِ؛ ٢) تَمَّ دَفْنُهُ؛ ٣) بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَمَّ إِقَامَتُهُ مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ — أَيْ أَنَّهُ عَادَ إِلَى الْحَيَاةِ. مَعَ ذَلِكَ، مُعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ يَنْكُرُونَ حَقِيقَةَ صَلْبِ يَسُوعَ. هُنَا يَطْرَحُ سُؤَالٌ مُهِمٌّ: هَلْ يَنْكُرُونَ الصَّلْبَ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ؟ أَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ ظَهَرَتْ لَاحِقًا وَأَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ دُونَ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي الْأَصْلِ؟

آيَةٌ رَئِيسِيَّةٌ مِنَ الْقُرْآنِ

عِنْدَمَا نَسْأَلُ أَصْدِقَاءَنَا الْمُسْلِمِينَ عَنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ، فَإِنَّهُمْ دَائِمًا مَا يُشِيرُونَ إِلَى نَفْسِ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ: سُورَةُ النِّسَاءِ ٤: ١٥٦-١٥٨. فِي هَذَا الْمَقْطَعِ يَقُولُ اللهُ إِنَّهُ قَفَلَ قُلُوبَ الْيَهُودِ.

”وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًۭا {١٥٦} وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا {١٥٧} بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا {١٥٨}“

تَمَّ تَقْدِيمُ الْعَدِيدِ مِنَ التَّفْسِيرَاتِ لِهَذِهِ الْآيَةِ. الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ مَلَكًا حَمَى يَسُوعَ أَوْ أَنَّهُ اخْتَبَأَ فِي شَقِّ جِدَارٍ، بَيْنَمَا أَمْسَكَ الْجُنُودُ بِأَحَدِ تَلَامِيذِهِ، الَّذِي قُتِلَ بَدَلًا مِنْهُ. آخَرُونَ يَقُولُونَ إِنَّ سِمْعَانَ الْقَيْرَوَانِيَّ، الْيَهُودِيَّ الْعَابِرَ الَّذِي أُجْبِرَ عَلَى حَمْلِ صَلِيبِ يَسُوعَ، صُلِبَ بَدَلًا مِنَ الْمَسِيحِ. كَثِيرُونَ، بِمَا فِي ذَلِكَ مَا يُسَمَّى ”إِنْجِيلُ بَرْنَابَا“، يَدَّعُونَ أَنَّ اللهَ غَيَّرَ مَظْهَرَ يَهُوذَا الْخَائِنِ، وَجَعَلَهُ يُشْبِهُ يَسُوعَ بِشَكْلٍ مُعْجِزِيٍّ لِيُصْلَبَ بَدَلًا مِنْهُ. فِي الْوَاقِعِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ اخْتِلَافِ التَّفَاصِيلِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ التَّفْسِيرَاتِ تَشْمَلُ فِكْرَةً أَنَّ اللهَ تَدَخَّلَ لِتَغْيِيرِ مَظْهَرِ شَخْصٍ مَا وَجَعَلَ النَّاسَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ يَسُوعَ، بَيْنَمَا كَانَ الشَّخْصُ الْمَقْتُولُ هُوَ آخَرَ. أَحْمَدَ دِيدَاتَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ افْرِيقِيا الْجَانُوبِيَّهِ الَّذِي كَتَبَ كِتَابًا عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ، ادَّعَى أَنَّ يَسُوعَ تَمَّ صَلْبُهُ عَلَى الصَّلِيبِ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ. قَالَ دِيدَاتَ إِنَّ يَسُوعَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ النَّاسُ أَنَّهُ مَاتَ؛ وَعِنْدَمَا وُضِعَ فِي بُرُودَةِ الْقَبْرِ، اسْتَيْقَظَ. بَيْنَمَا يَقُولُ آخَرُونَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَلْبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ إِنَّ قِصَّةَ مَوْتِ يَسُوعَ كَانَتْ مُلَفَّقَةً بِالْكُلِّيَّةِ.

مَشَاكِلُ التَّفْسِيرَاتِ الْمَعْتادَةِ

كُلُّ هَذِهِ التَّفْسِيرَاتِ تُوَاجِهُ مَشَاكِلَ مُعَيَّنَةً. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، هُنَاكَ مَشْكِلَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ إِذَا قُلْنَا إِنَّ اللهَ اسْتَخْدَمَ الْخِدَاعَ أَوِ التَّضْلِيلَ لِجَعْلِ النَّاسِ يُصَدِّقُونَ كَذِبَةً. اللهُ قُدُّوسٌ تَامًّا، طَاهِرٌ وَبِلَا خَطِيئَةٍ. الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يَقُولُ بِوَضُوحٍ فِي كِتَابِ الْعِبْرَانِيِّينَ ٦: ١٨ إِنَّهُ ”مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ يَكْذِبَ اللهُ“، وَفِي تِيطُسَ ١: ٢ إِنَّ اللهَ ”لَا يَكْذِبُ“. وَقَدْ أَوْصَى فِي شَرِيعَةِ مُوسَى: ”لَا تَسْرِقُوا وَلَا تَكْذِبُوا وَلَا تَغْدُرُوا أَحَدَكُمْ بِالْآخَرِ“ (لَاوِيِّينَ ١٩: ١١). هَلْ يُمْكِنُ لِلَّذِي أَمَرَ الْبَشَرَ بِعَدَمِ اسْتِخْدَامِ الْخِدَاعِ أَنْ يُحَاوِلَ هُوَ نَفْسُهُ خِدَاعَهُمْ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ الْوُثُوقُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ حَاشَا لِلَّهِ، إِلَهِ الْحَقِّ، أَنْ يَخْدَعَ الْبَشَرَ وَيَجْعَلَهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْبَاطِلَ. يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اللهُ قَدْ خَدَعَ الْبَشَرَ لِجَعْلِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ عَلَى الصَّلِيبِ، لَكَانَ هُوَ الْمَسْؤُولَ عَنْ اخْتِرَاعِ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعَقَائِدِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْمَسِيحِيَّةِ (سَيَكُونُ مَسْؤُولًا عَنْ مُخَالَفَةِ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعَقَائِدِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْمَسِيحِيَّةِ). عِنْدَئِذٍ سَيَكُونُ كَاذِبًا وَمُسَاعِدًا فِي تَأْسِيسِ دِيَانَاتٍ بَاطِلَةٍ. لِيَغْفِرِ اللهُ لِلْبَشَرِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا مِثْلَ هَذَا الشَّيْءِ. اللهُ لَنْ يَسْتَخْدِمَ قُوَّتَهُ الْمُعْجِزَةَ لِخِدَاعِ الْبَشَرِ. الشَّيْطَانُ هُوَ مَنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ. دَعُونَا لَا نُهِينُ اللهَ.

مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، هَلْ يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ أَنَّهُ، دُونَ أَيِّ تَدَخُّلٍ مُعْجِزِيٍّ مِنَ اللهِ، يُمْكِنُ لِشَخْصٍ آخَرَ أَنْ يُصْلَبَ وَيُدْفَنَ مَكَانَ يَسُوعَ؟ أَثْنَاءَ وُجُودِهِ عَلَى الصَّلِيبِ، تَمَّ التَّعَرُّفُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ قَائِدِ الْمِئَةِ الرُّومَانِيِّ وَجُنُودِهِ، وَالْعَابِرِينَ الَّذِينَ سَمِعُوهُ يُكَرِّزُ، وَقَادَةِ الْيَهُودِ، وَاللِّصَّيْنِ اللَّذَيْنِ صُلِبَا بِجَانِبِهِ. كَمَا كَانَ هُنَاكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَرَفُوهُ عَنْ قُرْبٍ: النِّسَاءُ اللَّوَاتِي رَافَقْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، أُمَّهُ وَتَلْمِيذُهُ يُوحَنَّا. كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَسَدُهُ مَعْرُوفًا بِسُهُولَةٍ بَعْدَ إِنْزَالِهِ مِنَ الصَّلِيبِ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ أَيْضًا مِنْ نَدَبَاتِ إِكْلِيلِ الشَّوْكِ الَّذِي وَضَعَهُ الْجُنُودُ عَلَى رَأْسِهِ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، يُوسُفُ الرَّامِيُّ وَنِيقُودِيمُوسُ، اللَّذَانِ دَفَنَاهُ، وَالنِّسَاءُ اللَّوَاتِي كُنَّ يَشَاهَدْنَ أَثْنَاءَ تَجْهِيزِ جَسَدِهِ لِلدَّفْنِ، جَمِيعُهُمْ عَرَفُوا يَسُوعَ جَيِّدًا. دُونَ خِدَاعٍ مُعْجِزِيٍّ، لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِمْ أَنْ يُخْطِئُوا فِي التَّعَرُّفِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ بَدَلًا مِنْهُ.

مَاذَا عَنْ فِكْرَةِ أَحْمَدَ دِيدَاتَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ صُلِبَ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ؟ وَفْقًا لِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ، أُغْمِيَ عَلَى يَسُوعَ ثُمَّ اسْتَعَادَ وَعْيَهُ لَاحِقًا فِي بُرُودَةِ الْقَبْرِ. اعْتَقَدَ النَّاسُ خَطَأً أَنَّهُ مَاتَ، وَعِنْدَمَا رَأَوْهُ حَيًّا بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ، أَعْلَنُوا أَنَّهُ قَامَ مِنَ الْمَوْتِ.

دَعُونَا نَكُونُ صَادِقِينَ وَوَاقِعِيِّينَ: يَسُوعُ مَاتَ بِالْفِعْلِ. قَبْلَ صَلْبِهِ، تَعَرَّضَ لِلضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ مِنْ قِبَلِ ”خُبَرَاءَ“. كَانَ الْجُنُودُ الرُّومَانُ يَعْرِفُونَ جَيِّدًا كَيْفَ يَسْتَخْدِمُونَ سِيَاطَهُمْ، الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى قِطَعٍ مِنَ الزُّجَاجِ وَالْحِجَارَةِ الْحَادَّةِ، لِإِصَابَةِ الْجَسَدِ كُلِّهِ وَتَرْكِ الْجِلْدِ يَتَدَلَّى عَلَى شَكْلِ شَرَائِحَ دَمَوِيَّةٍ (يُقَالُ إِنَّ ظَهْرَ الشَّخْصِ سَيُصْبِحُ أَشْبَهَ بِلَحْمٍ مَفْرُومٍ). كَانُوا قَدْ أَتْقَنُوا طَرِيقَةَ إِعْدَامِهِمْ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ أَكْثَرِ الطُّرُقِ قَسْوَةً الَّتِي اخْتَرَعَهَا الْإِنْسَانُ، مِمَّا يُسَبِّبُ الِاخْتِنَاقَ وَمَوْتًا بَطِيئًا وَمُؤْلِمًا. كَانُوا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُحَدِّدُوا مَا إِذَا كَانَتِ الضَّحِيَّةُ قَدْ مَاتَتْ. وَفِي حَالَةِ يَسُوعَ، طَعَنُوا جَنْبَهُ بِرُمْحٍ. ”وَلَكِنْ عِنْدَمَا جَاءُوا إِلَى يَسُوعَ وَرَأَوْهُ قَدْ مَاتَ بِالْفِعْلِ، لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ. وَلَكِنَّ أَحَدَ الْجُنُودِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِرُمْحٍ، وَعَلَى الْفَوْرِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ“ (يُوحَنَّا ١٩: ٣٣-٣٤). وَيَجِبُ أَنْ نَضِيفَ أَنَّ يَسُوعَ دُفِنَ وَفْقًا لِلْعَادَاتِ الْيَهُودِيَّةِ: ”وَجَاءَ نِيقُودِيمُوسُ أَيْضًا، الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا، حَامِلًا مَزِيجًا مِنَ الْمُرِّ وَالْعُودِ، نَحْوَ مِئَةِ رَطْلٍ. فَأَخَذُوا جَسَدَ يَسُوعَ وَلَفُّوهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الطِّيبِ، كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْيَهُودِ فِي الدَّفْنِ“ (يُوحَنَّا ١٩: ٣٩-٤٠).

حَتَّى لَوِ افْتَرَضْنَا أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَمُتْ بَلْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقَطْ، كَيْفَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي قَبْرٍ رَطْبٍ دُونَ طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ رِعَايَةٍ طِبِّيَّةٍ، وَهُوَ مُصَابٌ بِجِرَاحٍ خَطِيرَةٍ، وَمُلَفٌّ مِثْلَ الْمُومِيَاءِ بِعِدَّةِ أَمْتَارٍ مِنَ الْقُمَاشِ الْمُلْصَقِ بِحَوَالَيْ مِئَةِ رَطْلٍ مِنَ الطِّيبِ اللَّزِجِ؟ كَيْفَ كَانَ سَيَكُونُ لَدَيْهِ الْقُوَّةُ لِتَحْرِيرِ نَفْسِهِ مِنَ الْأَكْفَانِ، وَيُدَحْرِجَ الْحَجَرَ الضَّخْمَ مِنْ مَدْخَلِ الْقَبْرِ، وَيَتَغَلَّبَ عَلَى الْجُنُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَهُ، وَيَمْشِيَ لِعِدَّةِ أَمْيَالٍ عَلَى قَدَمَيْنِ مَثْقُوبَتَيْنِ بِالْمَسَامِيرِ، ثُمَّ يَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ بِحَالَةٍ تُقْنِعُهُمْ بِأَنَّهُ رَبُّ الْحَيَاةِ؟ نُسْخَةُ دِيدَاتَ بِبَسَاطَةٍ لَا تَصْمُدُ.

لَا دَعْمَ فِي الْأَحَادِيثِ

فِي ظِلِّ مُعَارَضَةِ أَغْلَبِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لِفِكْرَةِ صَلْبِ الْمَسِيحِ، مِنَ الْمُلْفِتِ لِلِانْتِبَاهِ أَنَّ أَهَمَّ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْثُوقَةِ، مِثْلَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ، لَا تَذْكُرُ شَيْئًا عَنْ مَوْضُوعِ الصَّلْبِ. مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ تَحْتَوِي عَلَى أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ وَجَّهَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِ وَأَجُوبَتِهِ عَلَيْهَا، بِمَا فِي ذَلِكَ أَسْئِلَةٌ عَنْ تَفْسِيرِ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ. لَكِنَّ الْغَرِيبَ أَنَّهُ رَغْمَ الِاخْتِلَافَاتِ الْكَبِيرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ حَوْلَ مَعْنَى الْآيَةِ ١٥٧ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ (وَالَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْ ٤٠ كَلِمَةً فَقَطْ)، لَا نَجِدُ فِي أَيٍّ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمَحْفُوظَةِ خِلَالَ الْمِئَتَيْ سَنَةٍ الْأُولَى بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ أَيَّ سُؤَالٍ أَوْ حَدِيثٍ عَنْ صَلْبِ يَسُوعَ أَوْ تَفْسِيرٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ دَعْمٍ مَوْثُوقٍ لِلتَّفْسِيرَاتِ الشَّائِعَةِ الَّتِي نَسْمَعُهَا الْيَوْمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ.

دَعُونَا نُلَخِّصُ:

  • الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ اللهَ اسْتَبْدَلَ شَخْصًا مَكَانَ يَسُوعَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى الصَّلِيبِ — سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ؟ يَهُوذَا؟ بُطْرُسُ؟ يَهُودِيٌّ مَجْهُولٌ؟ لَا نَعْرِفُ.
  • الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ أَوْ شَخْصًا يُشْبِهُهُ لَمْ يُصْلَبْ.
  • الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ هَرَبَ وَذَهَبَ إِلَى الْهِنْدِ، حَيْثُ مَاتَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ مَوْتًا طَبِيعِيًّا.
  • الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ يَسُوعَ صُلِبَ لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، بَلِ اسْتَعَادَ وَعْيَهُ فِي الْقَبْرِ.
  • الْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ اللهَ أَخَذَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَلَ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ حَدَثَ بَعْدَ اعْتِقَالِهِ وَضَرْبِهِ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الصَّلْبِ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ إِنَّهُ أُخِذَ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ.

نَصُّنَا فِي الْقُرْآنِ يَقُولُ: ”وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ. مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ.“ هَذَا وَصْفٌ مِثَالِيٌّ، لَيْسَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤَيِّدُونَ الرِّوَايَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْإِنْجِيلِ، بَلْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَنْكُرُونَ الصَّلْبَ.

تَفْسِيرٌ آخَرُ لِلْآيَةِ

هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ تَفْسِيرًا آخَرَ لِآيَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي نُنَاقِشُهَا؟ هَذَا التَّفْسِيرُ لَا يَأْتِي مِنَ الْمَسِيحِيِّينَ، بَلْ مِنْ عُلَمَاءَ مُسْلِمِينَ. الْآيَةُ ١٥٧ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ تَتَحَدَّثُ فِي سِيَاقِ تَوْبِيخِ الْيَهُودِ لِرَفْضِهِمْ أَنْبِيَاءَ اللهِ، وَتَكَلُّمِهِمْ بِشَكْلٍ سَيِّئٍ عَنْ مَرْيَمَ، وَفِي تَفَاخُرِهِمْ أَنَّهُمْ صَلَبُوا يَسُوعَ الْمَسِيحَ. فِي رَدِّ الْقُرْآنِ عَلَى ادِّعَاءَاتِ الْيَهُودِ، يَقُولُ: ”وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ.“ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَلْبٌ، بَلْ يَعْنِي أَنَّهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حُدُوثِهِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسْؤُولُ عَنْهُ. الْيَهُودُ فَقَطْ فَعَلُوا مَا سَمَحَ اللهُ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، بِفِعْلِهِ لِتَحْقِيقِ خَطَّتِهِ.نَفْسُ الْأُسْلُوبِ اللُّغَوِيِّ نَجِدُهُ فِي السُّورَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ: ”فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ.“ هُنَا، أَلْمُسْلِمُونَ قَتَلُوا أَعْدَاءَهُمْ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا تَمَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ. بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، الْيَهُودُ لَعِبُوا دَوْرًا فِي مَوْتِ يَسُوعَ، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَرَادَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ يَحْدُثُ.

الْمَقَالُ التَّالِي ←
هَلْ مَاتَ الْمَسِيحُ حَقًّا؟ (الْجُزْءُ الثَّانِي)