مَوْتُ يَسُوعَ

هَلْ مَاتَ الْمَسِيحُ حَقًّا؟ (الْجُزْءُ الثَّانِي)

حَسَبَ الْقُرْآنِ، تَفَاخَرَ الْيَهُودُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ:

 

”وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا“ (سُورَةُ النِّسَاءِ، الْآيَةُ ١٥٧).

رَأَيْنَا فِي مَقَالِنَا السَّابِقِ أَنَّ غَالِبِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَعْنِي أَنَّ اللهَ تَدَخَّلَ بِمُعْجِزَةٍ لِمَنْعِ مَوْتِ الْمَسِيحِ. وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ شَخْصًا آخَرَ يَبْدُو بِشَبَهِ الْمَسِيحِ وَلِذَلِكَ صُلِبَ بَدَلًا مِنْهُ. لَا يُوجَدُ أَيُّ حَدِيثٍ يُدَعِّمُ هَذَا التَّفْسِيرَ، لَكِنَّهُ شَائِعٌ جِدًّا، رَغْمَ أَنَّهُ يُجْعِلُ اللهَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ مُخَادِعٌ، وَهَذَا يَتَنَاقَضُ مَعَ الْفِكْرَةِ أَنَّ اللهَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي اخْتِرَاعِ عَقِيدَةٍ مَسِيحِيَّةٍ يَعْتَبِرُهَا الْمُسْلِمُونَ بَاطِلَةً.

لَقَدْ لَفَتْنَا انْتِبَاهَ قُرَّائِنَا وَمُسْتَمِعِينَا إِلَى تَفْسِيرٍ مُخْتَلِفٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ. الْعِبَارَةُ: ”وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ“ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّلْبَ لَمْ يَحْدُثْ، بَلْ قَدْ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَكُونُوا الْفَاعِلِينَ الْحَقِيقِيِّينَ لِذَلِكَ، بَلْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي كَانَ يُدِيرُ الْأَحْدَاثَ وَيُنَفِّذُ خُطَّتَهُ الْإِلَاهِيَّةَ. وَهَذِهِ لَيْسَتِ الْمَرَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي يُعَبِّرُ اللهُ فِيهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي الْقُرْآنِ. فَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ ١٧، يُخَاطِبُ اللهُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حَقَّقُوا النَّصْرَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، قَائِلًا: ”فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا“ (سُورَةُ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ ١٧).

أَيُّ أَكْثَرُ تَفْسِيرٍ مُنَاسِبٍ؟

دَعُونَا نَرَى هَلْ طَرِيقَةُ فَهْمِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الصَّلْبِ تَتَوَافَقُ مَعَ الْحَقَائِقِ أَكْثَرَ مِنَ التَّفْسِيرَاتِ الْمَعْتادَةِ.

طَبِيعَةُ اللهِ

لَقَدْ أَشَرْنَا سَابِقًا إِلَى الْفِكْرَةِ أَنَّنَا نُنَقِّصُ مِنْ شَرَفِ اللهِ الْقُدُّوسِ وَالْبَارِّ الْكَامِلِ إِذَا ادَّعَيْنَا أَنَّهُ اسْتَخْدَمَ قُوَّتَهُ الْمُعْجِزَةَ لِخِدَاعِ الْبَشَرِيَّةِ وَجَعْلِ النَّاسِ يُؤْمِنُونَ بِكَذِبَةٍ. الْقَوْلُ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَضَلَّ النَّاسَ عَمْدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يُمَجِّدُهُ.

الْقُرْآنُ

التَّفْسِيرُ الَّذِي اقْتَرَحْنَاهُ، وَالَّذِي يُوَافِقُ أَكْثَرَ بِأَنَّ الصَّلْبَ حَدَثَ بِالْفِعْلِ، يَتَوَافَقُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مَعَ الْفَهْمِ الطَّبِيعِيِّ لِلْآيَاتِ الْأُخْرَى فِي الْقُرْآنِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، نَقْرَأُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ (٣٣:١٩-٣٤) أَنَّ عِيسَى قَالَ: ”«وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.» ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلُ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ“. فِي ضَوْءِ مَا كَانَ يُبَشِّرُ عَنْ عِيسَى لِمُدَّةٍ تَقَارِبُ السِّتِّمِائَةِ عَامٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تُفْهَمُ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ عَلَى أَنَّهَا تَأْكِيدٌ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى مَوْتِ الْمَسِيحِ، بَلْ أَيْضًا عَلَى قِيَامَتِهِ. وَهِيَ بِالتَّأْكِيدِ تَتَعَارَضُ مَعَ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ عِيسَى رُفِعَ مُبَاشَرَةً إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَمَا جَاءَ الْجُنُودُ لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.

آيَةٌ أُخْرَى تَتَوَافَقُ أَكْثَرَ مَعَ فِكْرَةِ أَنَّ عِيسَى مَاتَ فِعْلِيًّا عَلَى الصَّلِيبِ مَوْجُودَةٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (٥٥:٣)، حَيْثُ يَقُولُ اللهُ: ”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.“ فِي بَعْضِ تَرْجَمَاتِ الْقُرْآنِ، يَقُولُ اللهُ لِعِيسَى: ”إِنِّي مُتَوَفِّيكَ“، وَبِحَسَبِ تَعْلِيقٍ فِي تَرْجَمَةِ الْمَوْلَوِي مُحَمَّد عَلِي، فَإِنَّ هَذَا يَعْنِي أَنَّ اللهَ ”قَبَضَ رُوحَهُ.“ أَمَّا تَرْجَمَةُ بِيَكْثَالَ فَتَقُولُ: ”يَا عِيسَى، إِنِّي جَامِعُكَ“، وَهَذَا تَعْبِيرٌ كِتَابِيٌّ يُشِيرُ إِلَى الْمَوْتِ. وَيُوسُفُ عَلِي، فِي طَبْعَتِهِ الْأُولَى، تَرْجَمَ الْكَلِمَاتِ بِمَعْنَى ”إِنِّي مُمِيتُكَ.“ النُّقْطَةُ هُنَا هِيَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَكُونُوا الْمَسْؤُولِينَ الْحَقِيقِيِّينَ عَنْ مَوْتِ الْمَسِيحِ، بَلِ اللهُ هُوَ الَّذِي قَضَى بِذَلِكَ.

كِتَابَاتُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ فِي الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ

يَعْلَمُ الْإِسْلَامُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ نَثِقَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِلَى الْعَالَمِ. وَلَكِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى لَمْ يُقْتَلْ يَتَجَاهَلُونَ مَا قَالَهُ وَكَتَبَهُ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ سَبَقُوهُ عَنْهُ. هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ تَنَبَّأُوا بِوَضُوحٍ عَنْ إِهَانَتِهِ وَمُعَانَاتِهِ وَمَوْتِهِ.

اقْرَأْ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، مَا كَتَبَهُ النَّبِيُّ إِشَعْيَاءُ عَنِ الْمَسِيحِ فِي الْإِصْحَاحَيْنِ ٥٢ وَ٥٣ مِنْ كِتَابِهِ:

”هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَلِكَ مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي الْبَشَرِ، هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يُغْلِقُ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ…“

”مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلَا مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا. مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ…“

”كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَسَخْلٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ… جُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.“

”أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ…“

”مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ.“

(إِشَعْيَاءُ ١٣:٥٢-١٥؛ ١:٥٣-٣، ٦-١١)

هَذَا النَّصُّ يَعُودُ إِلَى ٧٠٠ سَنَةٍ قَبْلَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ، وَلَدَيْنَا مَخْطُوطَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْهُ تَعُودُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ.

أَمَّا الْمَلِكُ وَالنَّبِيُّ دَاوُدَ، فَقَدْ أَعْطَانَا فِي الزَّبُورِ كَلِمَاتِ الْمَسِيحِ الَّتِي تَصِفُ بِتَفَاصِيلَ مُرَوِّعَةٍ مُعَانَاةَ الْمَصْلُوبِ:

”إلهي، إلهي، لماذا ترَكتَني، بَعيدًا عن خَلاصي، عن كلامِ زَفيري؟

”كُلُّ الّذينَ يَرَوْنَني يَستَهزِئونَ بي. يَفغَرونَ الشِّفاهَ، ويُنغِضونَ الرّأسَ قائلينَ: «اتَّكلَ علَى الرَّبِّ فليُنَجِّهِ، ليُنقِذهُ لأنَّهُ سُرَّ بهِ».

”كالماءِ انسَكَبتُ. انفَصَلَتْ كُلُّ عِظامي. صارَ قَلبي كالشَّمعِ. قد ذابَ في وسَطِ أمعائي. يَبِسَتْ مِثلَ شَقفَةٍ قوَّتي، ولَصِقَ لساني بحَنَكي، وإلَى تُرابِ الموتِ تضَعُني.

”لأنَّهُ قد أحاطَتْ بي كِلابٌ. جَماعَةٌ مِنَ الأشرارِ اكتَنَفَتني. ثَقَبوا يَدَيَّ ورِجلَيَّ. أُحصي كُلَّ عِظامي، وهُم يَنظُرونَ ويَتَفَرَّسونَ فيَّ. يَقسِمونَ ثيابي بَينَهُمْ، وعلَى لباسي يَقتَرِعونَ.

(الْمَزْمُورُ ١:٢٢، ٧-٨، ١٤-١٨)

نَفْسُ الْمَوْضُوعِ يَتَكَرَّرُ فِي مَقْطَعٍ آخَرَ مِنَ الزَّبُورِ:

”أَنْتَ تَعْلَمُ عَارِي وَخِزْيِي وَخَجَلِي. قُدَّامَكَ جَمِيعُ مُضَايِقِيَّ. الْعَارُ كَسَرَ قَلْبِي وَمَلأَنِي غَمًّا. انْتَظَرْتُ رَاحَةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ. وَأَعْطَوْنِي فِي طَعَامِي مَرَارَةً، وَفِي عَطَشِي سَقَوْنِي خَلًّا.“

(الْمَزْمُورُ ١٩:٦٩-٢١)

التَّفَاصِيلُ الْمُخْتَلِفَةُ الْمَوْصُوفَةُ فِي هَذِهِ الْمَقَاطِعِ نَجِدُهَا فِي رِوَايَاتِ الشُّهودِ الْعِيَانِ الَّذِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ عَلَى الصَّلِيبِ.

الْمَسِيحُ، ابْنُ مَرْيَمَ، الَّذِي كَانَ بِالطَّبْعِ نَبِيًّا، تَنَبَّأَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً بِأَنَّهُ سَيُقْبَضُ عَلَيْهِ، وَيُسَاءُ مُعَامَلَتُهُ، وَيُدَانُ ظُلْمًا، وَيُقْتَلُ عَلَى يَدِ الرُّومَانِ. وَأَضَافَ بِالطَّبْعِ أَنَّهُ سَيَقُومُ مِنَ الْمَوْتِ. وَبَعْدَ قِيَامَتِهِ، قَالَ لِتَلَامِيذِهِ:

”فقالَ لهُما: «أيُّها الغَبيّانِ والبَطيئا القُلوبِ في الإيمانِ بجميعِ ما تكلَّمَ بهِ الأنبياءُ! أما كانَ يَنبَغي أنَّ المَسيحَ يتألَّمُ بهذا ويَدخُلُ إلَى مَجدِهِ؟». ثُمَّ ابتَدأ مِنْ موسى ومِنْ جميعِ الأنبياءِ يُفَسِّرُ لهُما الأُمورَ المُختَصَّةَ بهِ في جميعِ الكُتُبِ. وقالَ لهُمْ: «هكذا هو مَكتوبٌ، وهكذا كانَ يَنبَغي أنَّ المَسيحَ يتألَّمُ ويَقومُ مِنَ الأمواتِ في اليومِ الثّالِثِ.“

(لُوقَا ٢٥:٢٤-٢٧، ٤٦)

الْمَسِيحُ نَفْسُهُ تَنَبَّأَ بِمُعَانَاتِهِ وَمَوْتِهِ. إِذَا لَمْ يَحْدُثْ مَوْتُهُ كَمَا قَالَ، فَهُوَ إِذَنْ لَيْسَ نَبِيًّا حَقِيقِيًّا. وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ، عَلَى الْعَكْسِ، إِنَّهُ كَانَ نَبِيًّا.

الشَّهَادَةُ التَّارِيخِيَّةُ

بِالْإِضَافَةِ إِلَى النُّبُوءَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَزَامِيرِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتِ الْمَسِيحِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَقَاطِعِ الْعَدِيدَةِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، تُوجَدُ شَهَادَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ عَدِيدَةٌ مِنْ غَيْرِ الْمَسِيحِيِّينَ فِي الْقَرْنَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي تُؤَكِّدُ حَقِيقَةَ صَلْبِ الْمَسِيحِ.

الْمُؤَرِّخُ الرُّومَانِيُّ تَاسِيتُوسَ، الَّذِي وُلِدَ عَامَ ٥٨ مِيلَادِيًّا، كَتَبَ عَنِ الْمَسِيحِيِّينَ قَائِلًا: ”هَذَا الِاسْمُ يَأْتِي مِنَ الْمَسِيحِ، الَّذِي سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ بِلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ، خِلَالَ حُكْمِ طِيبَارِيُوسَ، إِلَى الْجَلَّادِينَ.“ أَمَّا الْكَاتِبُ الْيُونَانِيُّ لُوسْيَانَ، الَّذِي وُلِدَ فِي مُقَاطَعَةِ سُورْيَا الرُّومَانِيَّةِ عَامَ ١٢٠ مِيلَادِيًّا، فَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْمَسِيحِ بِأَنَّهُ ”الرَّجُلُ الَّذِي صُلِبَ فِي فِلَسْطِينَ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ إِلَى الْعَالَمِ هَذِهِ الطَّائِفَةَ الْجَدِيدَةَ.“ كَمَا انْتَقَدَ لُوسْيَانَ الْمَسِيحِيِّينَ لِوَلَائِهِمْ ”لِذَلِكَ الْحَكِيمِ الْمَصْلُوبِ“ الَّذِي يَعِيشُونَ وَفْقًا لِتَعَالِيمِهِ.

الْمُؤَرِّخُ الْيَهُودِيُّ يُوسِيفُوسَ، وَالتَّلْمُودُ (التَّعْلِيقَاتُ الْيَهُودِيَّةُ)، وَالْكَاتِبُ الرُّومَانِيُّ ثَالُوسَ — وَكُلُّهُمْ مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ — يُؤَكِّدُونَ أَيْضًا أَنَّ يَسُوعَ صُلِبَ. لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُتَّابِ مَسِيحِيًّا (بَلْ كَانَ مُعْظَمُهُمْ مُعَادِيًا لِلْمَسِيحِيَّةِ)، لِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ اتِّهَامُهُمْ بِالْتحَيُّزِ أَوِ الْعَمَلِ بِدَافِعِ الْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ عِنْدَ تَقْدِيمِ شَهَادَاتٍ تُدَعِّمُ الْعَقِيدَةَ الْمَسِيحِيَّةَ.

مَشْكِلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ أَمْ لَاهُوتِيَّةٌ؟

فِي الْحَقِيقَةِ، السَّبَبُ وَرَاءَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ ١٥٧ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَفْهَمُهَا غَالِبِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي قَدْ نَجِدُهَا فِي التَّارِيخِ أَوْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَوْ حَتَّى فِي الْقُرْآنِ. إِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِسَبَبِ فِكْرَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُسْبَقَةٍ. فَقَبْلَ حَتَّى أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى قَضِيَّةِ الْمَسِيحِ، يَقُولُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّ اللهَ لَنْ يَسْمَحَ لِعَبْدِهِ أَنْ يُوَاجِهَ الْفَشَلَ؛ وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ إِدَانَةَ الْمَسِيحِ وَإِهَانَتَهُ وَصَلْبَهُ فَشَلًا كَانَ سَيَمْنَعُهُ مِنْ إِكْمَالِ مَهَمَّتِهِ. وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ حَتْمًا سَيُنْقِذُ رُسُلَهُ مِنَ الْخَطَرِ وَيَجْعَلُهُمْ مُنْتَصِرِينَ.

الَّذِينَ يَفْكِّرُونَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَنْسَوْنَ الْعَدِيدَ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْقُرْآنِ نَفْسِهِ الَّتِي تُظْهِرُ بِوَضُوحٍ أَنَّ اللهَ سَمَحَ لِعَدَدٍ مِنَ الرِّجَالِ الْأَتْقِيَاءِ، بِمَا فِيهِمْ أَنْبِيَاؤُهُ، أَنْ يَمُوتُوا عَلَى أَيْدِي الْمُتَمَرِّدِينَ وَالْكَافِرِينَ. فَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (٦١:٢)، يَقُولُ اللهُ عَنِ الْيَهُودِ: ”…وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ“

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى مَكْتُوبٌ: ”إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ“ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ ٢١:٣).

وَيَقُولُ نَصٌّ آخَرُ:

”وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ“ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ ٨٧).

(انْظُرْ أَيْضًا: ١١٢:٣، ١٨١، ١٨٣؛ ١٥٥:٤؛ ٧٠:٥).

وَيُظْهِرُ الْقُرْآنُ بِوَضُوحٍ أَيْضًا أَنَّ اللهَ لَا يُحَافِظُ دَائِمًا عَلَى حَيَاةِ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِهِ: ”وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ“ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ ١٥٤؛ انْظُرْ أَيْضًا ١٦٩:٣).

فَلِمَاذَا إِذَنْ يُقَالُ إِنَّ الْمَسِيحَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْضَعَ لِمَوْتٍ مُؤْلِمٍ، يُقْتَلُ عَلَى أَيْدِي الْأَشْرَارِ؟ وَلِمَاذَا نَتَمَسَّكُ بِتَفْسِيرٍ يَتَنَاقَضُ مَعَ الْقُرْآنِ وَالتَّارِيخِ وَكِتَابَاتِ جَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللهِ الْقِدِّيسِينَ؟

اِسْتِنْتاجٌ

إِذَا كَانَ هَمُّكَ هُوَ حِمَايَةُ شَرَفِ اللهِ، وَتَعْتَقِدُ أَنَّ مِنَ الْمُهِينِ لِلْعَظِيمِ, مَلِكِ الْكَوْنِ, أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ بَشَرًا فَانِينَ نَجَحُوا فِي قَتْلِ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَعَلَى مَا يَبْدُو, فِي إِنْهَاءِ مَهَمَّتِهِ، فَفَكِّرْ بِهَذَا السُّؤَالِ: أَيُّ شَيْءٍ يُمَجِّدُ اللهَ أَكْثَرُ: أَنْ نَقُولَ إِنَّ اللهَ سَاعَدَ الْمَسِيحَ عَلَى الْهَرَبِ مِنَ الْأَشْرَارِ، أَمْ أَنْ نَقُولَ إِنَّ اللهَ سَمَحَ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى الْمَوْتِ بِإِقَامَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؟ أَيُّ شَيْءٍ يُعَظِّمُ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرُ: أَنْ يَفْعَلَ مَا يَبْدُو كَخِدْعَةٍ سِحْرِيَّةٍ لِخِدَاعِ الْبَشَرِ وَمُسَاعَدَةِ الْمَسِيحِ عَلَى الْهَرَبِ مِنَ الْمَوْتِ، أَمْ أَنْ يَسْمَحَ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَمُوتَ ثُمَّ يُعِيدَهُ إِلَى الْحَيَاةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ يَا لَهَا مِنْ بُرْهَانٍ رَائِعٍ عَلَى قُوَّةِ اللهِ! إِنَّ الْإِعْلَانَ عَنْ مَوْتِ وَقِيَامَةِ الْمَسِيحِ لَا يُقَلِّلُ مِنْ شَرَفِ اللهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. دَعُونَا لَا نَتَرَدَّدُ فِي الِاعْتِرَافِ بِهَذِهِ الْحَقَائِقِ وَالْفَرَحِ بِهَا.

→ الْمَقَالُ السَّابِقُ
هَلْ مَاتَ يَسُوعُ حَقًّا؟ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ)
الْمَقَالُ التَّالِي ←
يَسُوعُ (النَّبِيُّ عِيسَى): أَكْثَرُ مِنْ نَبِيٍّ؟ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ)