لَا يُوجَدُ سَبَبٌ مُقْنِعٌ لِإِنْكَارِ حَقِيقَةِ مَوْتِ يَسُوعَ. فَالْقُرْآنُ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَالْحَدِيثُ لَا يُنْكِرُهَا. وَأَنْبِيَاءُ اللهِ تَنَبَّأُوا بِهَا. وَغَيْرُ الْمَسِيحِيِّينَ أَكَّدُوهَا. وَفَوْقَ كُلِّ هَذَا، هَذِهِ الْحَقِيقَةُ هِيَ قَلْبُ الْإِنْجِيلِ الَّذِي – بِحَسَبِ الْقُرْآنِ – أَعْطَاهُ اللهُ لِلْمَسِيحِ عِيسَى. فِكْرَةُ أَنَّ إِدَانَةَ يَسُوعَ وَإِذْلَالَهُ وَصَلْبَهُ كَانَتْ فَشَلًا أَوْ هَزِيمَةً تَمْنَعُ عَبْدَ اللهِ مِنْ إِتْمَامِ رِسَالَتِهِ هِيَ فِكْرَةٌ خَاطِئَةٌ – خُصُوصًا وَأَنَّ يَسُوعَ قَدْ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ، فَلَا يُمْكِنُ بَعْدَهَا التَّحَدُّثُ عَنْ فَشَلٍ. كَمَا أَنَّ فِكْرَةَ أَنَّ اللهَ حَتْمًا سَيُنْصِرُ جَمِيعَ رُسُلِهِ بِإِنْقَاذِهِمْ مِنَ الْأَخْطَارِ هِيَ أَيْضًا خَاطِئَةٌ – فَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ يَذْكُرُ مِرَارًا أَنْبِيَاءَ أُمَنَاءَ قَتَلَهُمُ الْيَهُودُ، وَمُسْلِمِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ الْإِسْلَامِ. أَمَّا الْآيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ الَّتِي يَسْتَشْهِدُ بِهَا الْبَعْضُ لِإِنْكَارِ مَوْتِ يَسُوعَ عَلَى الصَّلِيبِ، فَهِيَ بِبَسَاطَةٍ تُعَلِّمُ أَنَّ اللهَ – وَلَيْسَ الْيَهُودَ – كَانَ وَرَاءَ مَوْتِ يَسُوعَ (انْظُرْ مَقَالَ ”هَلْ مَاتَ يَسُوعُ حَقًّا؟“).
لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ:
لِمَاذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَمُوتَ يَسُوعُ عَلَى الصَّلِيبِ؟
أَجَابَ يَسُوعُ نَفْسُهُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ. فِي يُوحَنَّا ١٠، شَبَّهَ نَفْسَهُ بِرَاعٍ وَتَلَامِيذَهُ بِخِرَافٍ، قَائِلًا: ”أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ… لِهَذَا يُحِبُّنِي الْآبُ، لِأَنِّي أَبْذِلُ حَيَاتِي لِكَيْ أَسْتَرِدَّهَا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَبْذِلَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي“ (يُوحَنَّا ١١:١٠، ١٧، ١٨). فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، نَرَى أَنَّ يَسُوعَ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِتَدْبِيرِ اللهِ – بَلْ إِنَّ اللهَ نَفْسَهُ أَرَادَهُ – لَكِنَّهُ يَقُولُ أَيْضًا إِنَّهُ أَطَاعَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ طَوْعًا لِيَبْذُلَ حَيَاتَهُ. عِنْدَمَا يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّ الرَّاعِيَ يَبْذُلُ حَيَاتَهُ عَنْ خِرَافِهِ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ لِخِدْمَةِ الْآخَرِينَ. سَيَبْذُلُ حَيَاتَهُ لِيُخَلِّصَ ”خِرَافَهُ“. فِي مَرْقُس ٤٥:١٠، يَضِيفُ عُنْصُرًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِمَوْتِهِ فِدَاءً لِلْآخَرِينَ: ”لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدُمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدَاءً عَنْ كَثِيرِينَ“. الْفِدَاءُ هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي يُدْفَعُ لِإِنْقَاذِ حَيَاةِ أَسِيرٍ أَوْ عَبْدٍ. قَالَ يَسُوعُ إِنَّ حَيَاتَهُ سَتَكُونُ فِدَاءً لِلْكَثِيرِينَ.
هَذِهِ الْكَلِمَاتُ مِنْ يَسُوعَ تُوَافِقُ تَمَامًا كَلِمَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ. فِي نَصٍّ طَوِيلٍ لِإِشَعْيَاءَ، وُضِّحَ بِوُضُوحٍ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ. لَمْ يَكُنْ لِيُنْقَذَ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ لِكَيْلَا يُعَانِيَ أَوْ يَتَحَمَّلَ الْعَارَ. كَلَّا، حَسَبَ خُطَّةِ اللهِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ. لَكِنَّ النَّصَّ نَفْسَهُ يُخْبِرُنَا بِسَبَبِ مَوْتِ الْمَسِيحِ:
”إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَجْرُوحًا مِنْ أَجْلِ آثَامِنَا وَمَسْحُوقًا مِنْ أَجْلِ مَعَاصِينَا، حَلَّ بِهِ تَأْدِيبُ سَلَامِنَا، وَبِجِرَاحِهِ بَرِئْنَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ شَرَدْنَا مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى سَبِيلِهِ، فَأَثْقَلَ الرَّبُّ كَاهِلَهُ بِإِثْمِ جَمِيعِنَا… بِمَعْرِفَتِهِ يَبَرِّرُ عَبْدِي الْبَارُّ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا… وَهُوَ حَمَلَ خَطِيئَةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ“ (إِشَعْيَاءَ ٥٣ :٥، ٦، ١٠، ١٢).
لَا يُمْكِنُ وَصْفُ هَذَا بِأَوْضَحَ مِنْ ذَلِكَ! وَلَكِنْ أَلَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ أَنْ يُعَانِيَ شَخْصٌ بَدَلَ آخَرَ؟ أَلَيْسَ عَلَى الْخَاطِئِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عُقُوبَتَهُ؟ أَلَنْ يَدِينَ اللهُ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ؟
يَقُولُ الْقُرْآنُ: ”فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ“ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ ١٠٢-١٠٣). بِكَلَامٍ آخَرَ، فِي يَوْمِ الدِّينِ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ الْمَرْءِ الصَّالِحَةُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَايَاهُ. يُبْدِي الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِكْرَةً مُشَابِهَةً فِي ٢ كُورِنْثُوس ١٠:٥: ”لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا“. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ ١٨: ”وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ“. وَيُكَرِّرُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هَذَا الْمَفْهُومَ فِي رُومِيَةَ ١٢:١٤: ”فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ“.
مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ اللهَ سَيَدِينُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا حَسَبَ خِيَارَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا. وَلَكِنْ مَرَّةً أُخْرَى، يَتَّفِقُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ وَالْقُرْآنُ فِي تَعْلِيمِهِمَا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فِي الزَّبُورِ، يَقُولُ دَاوُدُ: ”لِأَنَّكَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَكَ“ (الْمَزْمُورُ ٥:٨٦). وَفِي الْقُرْآنِ نَقْرَأُ: ”وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ… يَعِدُكُمُ اللَّهُ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ“ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ ١٩٩، ٢٦٨). تَبْدَأُ مُعْظَمُ سُوَرِ الْقُرْآنِ بِـ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ“.
مَاذَا تَعْنِي كَلِمَةُ ”الْمَغْفِرَةُ“؟ أَلَيْسَتِ الْعَفْوَ وَالسَّتْرَ وَالتَّجَاوُزَ عَنِ الذَّنْبِ، أَوِ التَّخَلِّيَ عَنْ نِيَّةِ الْعِقَابِ؟ وَمَا هِيَ الرَّحْمَةُ؟ أَلَيْسَتِ الشَّفَقَةَ الَّتِي تَدْفَعُ إِلَى الْعَفْوِ عَنِ الْمُذْنِبِ؟
إِذًا، مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تُرْفَعَ خَطَايَا الْبَشَرِ وَأَعْمَالُهُمُ الشِّرِّيرَةُ مِنْ مَوَازِينِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ. وَلَكِنْ كَيْفَ؟ وَبِأَيِّ وَسِيلَةٍ؟
ضَرُورَةُ الذَّبِيحَةِ
قَدْ يَرُدُّ مَنْ لَا يَفْهَمُ بِرَّ اللهِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى ”وَسِيلَةٍ“: فَاللهُ سَيِّدٌ مُطْلَقٌ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْفِرَ، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ بِمُجَرَّدِ إِرَادَتِهِ. يَقُولُ: ”أَنَا أَغْفِرُ“، فَيَحْصُلُ الْأَمْرُ – وَتَزَالُ الْخَطِيئَةُ.
نَعَمْ، اللهُ سَيِّدٌ مُطْلَقٌ. يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. وَلَكِنَّهُ أَيْضًا بَارٌّ، وَهُوَ يَرْفُضُ أَنْ يُهَدِّرَ بِرَّهُ أَوْ نَزَاهَتَهُ. يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: ”إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ“ (٢ تِيمُوثَاوُسَ ١٣:٢). وَلِأَنَّهُ لَنْ يَقْبَلَ أَبَدًا أَنْ يَفْعَلَ الشَّرَّ، يُذَكِّرُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِي عِبْرَانِيِّينَ ١٨:٦ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى اللهِ أَنْ يَكْذِبَ. وَلَكِنَّ بِرَّهُ يَمْنَعُهُ أَيْضًا مِنَ النَّظَرِ بِرِضًا إِلَى الْمُذْنِبِ. قَالَ لَهُ النَّبِيُّ حَبَقُوقَ: ”أَنْتَ أَطْهَرُ عَيْنَيْنِ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الشَّرِّ، وَلَا تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ. لِمَاذَا تَنْظُرُ إِلَى الْغَادِرِينَ وَتَسْكُتُ عِنْدَمَا يَبْتَلِعُ الشِّرِّيرُ مَنْ هُوَ أَبَرُّ مِنْهُ؟“ (حَبَقُوقَ ٣١:١). وَكَمَا سَأَلَ الْأَبُ الْبَطْرِيَرْكُ إِبْرَاهِيمُ اللهِ الْقَدِيرَ يَوْمًا: ”أَدَيَّانُ كُلِّ الْأَرْضِ لَا يَصْنَعُ عَدْلًا؟“ (التَّكْوِينُ ٢٥:١٨). يُشَكِّلُ كَوْنُ اللهِ إِلَهَ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ الْقَاضِي الْقُدُّوسِ الْبَارِّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، مُعْضِلَةً. كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا وَعَادِلًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلهِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطِيئَةَ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ يُكَرِّمُ وَيُؤَيِّدُ وَصَايَاهُ الْقُدُّوسَةَ؟ إِذَا غَفَرَ قَاضٍ بَشَرِيٌّ لِلْمُذْنِبِينَ بِسَبَبِ الْمُحَابَاةِ لِأَصْدِقَائِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ قَبِلَ رَشْوَةً، لَعَدَدْنَاهُ غَيْرَ أَهْلٍ لِتَوْلِيَةِ مَنْصِبِهِ. فَالْقَاضِي مَسْؤُولٌ عَنْ تَطْبِيقِ الْقَانُونِ، وَعَنْ مُعَاقَبَةِ الْمُذْنِبِ وَإِطْلَاقِ سَرَاحِ الْبَرِيءِ. فَكَيْفَ يَكُونُ اللهُ قَاضِيًا عَادِلًا إِذَا بَرَّأَ الْمُذْنِبِينَ، وَلَمْ يُنَفِّذِ الْحُكْمَ الْمُسْتَحَقَّ؟
هَذَا مَا يُبَرِّرُ ضَرُورَةَ الذَّبِيحَةِ لِلْخَطِيئَةِ، مَفْهُومٌ كَانَتْ كُلُّ الْبَشَرِيَّةِ عَلَى دِرَايَةٍ بِهِ مُنْذُ زَمَنِ قَايِينَ وَهَابِيلَ، ابْنَيْ آدَمَ وَحَوَّاءَ. تَتَذَكَّرُونَ أَنَّ هَابِيلَ قَدَّمَ لِلهِ بَعْضَ أَبْكَارِ قَطِيعِهِ وَشَحْمَهَا. وَهُوَ بِالتَّأْكِيدِ مَفْهُومٌ مَوْجُودٌ فِي الْإِسْلَامِ. ”فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ“ (سُورَةُ الْكَوْثَرِ ٢). ”وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ… وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ“ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ ١٩٦).
تُؤَكِّدُ الشَّرِيعَةُ التَّوْرَاتيَّةُ كَثِيرًا عَلَى فِكْرَةِ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْخَطِيئَةِ، وَاسْتِدَامَةِ غَضَبِ اللهِ. لَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى الْخَطِيئَةُ بِغَيْرِ عِقَابٍ. وَنَظَرًا لِأَنَّ ”أُجْرَةَ الْخَطِيئَةِ هِيَ مَوْتٌ“ (رُومِيَةَ ٢٣:٦)، نَفْهَمُ لِمَاذَا كَانَتِ الْوَسِيلَةُ الْمَشْرُوعَةُ لِلْكَفَّارَةِ هِيَ دَمُ الذَّبِيحَةِ. قَالَ اللهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ”لِأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ، لِأَنَّ الدَّمَ هُوَ الَّذِي يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ“ (اللَّاوِيِّينَ ١١:١٧). وَيُؤَكِّدُ الْإِنْجِيلُ هَذَا الْمَبْدَأَ فِي عِبْرَانِيِّينَ ٢٢:٩، حَيْثُ كُتِبَ: ”وَبِحَسَبِ النَّامُوسِ يَتَطَهَّرُ كُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ“.
إِذًا، إِذَا كَانَ اللهُ قَدْ أَمَرَ النَّاسَ بِتَقْدِيمِ دَمِ الْحَيَوَانَاتِ لِلْكَفَّارَةِ عَنْ خَطَايَاهُمْ، فَلِمَاذَا أَمَرَ عَبْدَهُ يَسُوعَ أَنْ يُبْذِلَ حَيَاتَهُ ”فِدَاءً عَنْ كَثِيرِينَ“؟ الْجَوَابُ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ اللَّاحِقَةِ فِي النَّصِّ الَّذِي قَرَأْنَاهُ لِلتَّوِّ: ”أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْفَعَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ خَطَايَا“ (عِبْرَانِيِّينَ ٤:١٠). حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ قَدْ صَرَّحَ بِهَذَا، لَكُنَّا قَدْ خَمَّنَّا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، فَإِنَّنَا نَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْخَاطِئَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ – وَيَجِبُ أَنْ يُسْفَكَ دَمُهُ هُوَ؛ وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْبَلَ دَمَ (حَيَاةَ) الذَّبِيحَةِ بَدَلًا مِنْ دَمِهِ. فَالذَّبِيحَةُ تَحِلُّ مَحَلَّ الْخَاطِئِ. وَلَكِنْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ وَاضِحَةٌ: حَيَاةُ الْحَيَوَانِ لَا تُسَاوِي حَيَاةَ الْإِنْسَانِ. فَقِيمَةُ دَمِهِ غَيْرُ كَافِيَةٍ لِفِدَاءِ إِنْسَانٍ. لَقَدْ كَانَ الْهَدَفُ مِنْ ذَبَائِحِ شَرِيعَةِ مُوسَى هُوَ تَعْلِيمُ الْمَبْدَأِ الَّذِي يُفِيدُ بِأَنَّ الْخَطِيئَةَ يَجِبُ أَنْ تُدْفَعَ ثَمَنًا (كَفَّارَةً)، وَأَنَّ الذَّبِيحَةَ قَدْ تَسْتَطِيعُ، نَظَرِيًّا عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ تَزِيلَ الْخَطِيئَةَ وَتُهَدِّئَ غَضَبَ اللهِ الْبَارِّ. وَلَكِنَّ الْكَفَّارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَتَطَلَّبُ دَمَ إِنْسَانٍ، دَمًا يُمَثِّلُ حَيَاةً مُسَاوِيَةً (أَوْ أَعْظَمَ) قِيمَةً لِحَيَاةِ الشَّخْصِ الَّذِي يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ. وَلَكِنَّ دَمَ إِنْسَانٍ خَاطِئٍ لَنْ يَقُومَ بِهَذَا الْعَمَلِ. (يُرَمَّزُ لِهَذَا الْمَبْدَأِ بِحَقِيقَةِ أَنَّ الذَّبِيحَةَ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ، حَسَبَ الشَّرِيعَةِ، ”بِلَا عَيْبٍ“). فَالْإِنْسَانُ الَّذِي ارْتَكَبَ الْخَطِيئَةَ قَدْ فَقَدَ، بِمَعْنًى مَا، حَيَاتَهُ؛ إِذَا كَانَ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ، فَإِنَّهُ بِالْكَادِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ حَيَاتَهُ بَدَلًا مِنْ إِنْسَانٍ آخَرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ. لَا، إِنَّمَا الْإِنْسَانُ الْحُرُّ الْبَرِيءُ مِنَ الْخَطِيئَةِ هُوَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ بَدِيلًا عَنِ الْخَاطِئِ.
لِهَذَا السَّبَبِ، يَسُوعُ هُوَ الْإِنْسَانُ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبْذِلَ حَيَاتَهُ ذَبِيحَةً لِلْخَطِيئَةِ.
تُؤَكِّدُ عِدَّةُ نُصُوصٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يُخْطِئْ. فَفِي ٢ كُورِنْثُوسَ ٢١:٥، كَتَبَ الرَّسُولُ بُولُسُ: ”إِنَّ اللهَ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيئَةً خَطِيئَةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ“. وَأَكَّدَ الرَّسُولُ بُطْرُسُ نَفْسَ الْحَقِيقَةِ: ”الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيئَةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ“ (١ بُطْرُسَ ٢٢:٢).
لَمْ يُحَاوِلْ مُحَمَّدٌ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ أَخْطَأَ. بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، نَرَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ١٩ أَنَّ الْمَلَاكَ قَالَ لِمَرْيَمَ: ”إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا“ (تُتَرْجَمُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ فِي بَعْضِ تَرْجَمَاتِ الْقُرْآنِ بِـ”ابْنًا مُنْعَمًا عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ“). وَالْغَرِيبُ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مِنَ الطَّهَارَةِ لَمْ تُنْسَبْ فِي الْقُرْآنِ لِأَيِّ نَبِيٍّ آخَرَ.
لِنَعُدْ إِلَى فِكْرَةِ أَنَّ اللهَ رَحِيمٌ وَيُرِيدُ أَنْ يَمْنَحَ الْمَغْفِرَةَ، وَلَكِنَّهُ أَيْضًا قَاضِي كُلِّ الْأَرْضِ وَيَجِبُ أَنْ يُنَفِّذَ الْعَدْلَ وَيَضْمَنَ تَطْبِيقَ شَرِيعَتِهِ الْقُدُّوسَةِ. يُمْكِنُنَا الْآنَ أَنْ نَفْهَمَ حَلَّ هَذِهِ الْمُعْضِلَةِ، حَلًّا تَقَدِّمُهُ كَلِمَةُ اللهِ فِي الْإِنْجِيلِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ:
”إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، وَهُوَ مُبَرَّرُونَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالْإِيمَانِ بِدَمِهِ، لِإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لِإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِيَسُوعَ“ (رُومِيَةَ ٢٣:٣-٢٦، تَرْجَمَةُ إِي. جِي. جُودْسْبِيد).
عِنْدَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ، تَدَخَّلَ اللهُ بِفَضْلِهِ لِيُنْقِذَ حَيَاةَ الشَّابِّ. وَحَسَبَ سُورَةِ الصَّافَّاتِ ١٠٧، قَالَ اللهُ بَعْدَ أَنْ وَفَّرَ كَبْشًا لِلذَّبْحِ: ”وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ“. أَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ فِعْلًا نَبَوِيًّا مِنْ قِبَلِهِ، يُرَمِّزُ لِمَا سَيَفْعَلُهُ لَاحِقًا لِجَمِيعِ النَّاسِ؟ اللهُ نَفْسُهُ يُوَفِّرُ الذَّبِيحَةَ الضَّرُورِيَّةَ لِإِنْقَاذِ النَّفْسِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُنْقِذَ نَفْسَهَا.