حَتَّى الْآنِ حَاوَلْنَا أَنْ نُشَرِّحَ بِعُمْقٍ فِكْرَةَ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ كَذَبِيحَةٍ عَنِ الْخَطِيئَةِ. لَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْقُرْآنِ يَتَحَدَّثَانِ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ. كِلَاهُمَا يَعْتَرِفُ بِفِكْرَةِ الذَّبَائِحِ الْمُقَدَّمَةِ لِفِدَاءِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ وَيُوَافِقُ عَلَيْهَا. لَقَدْ بَرْهَنَّا اسْتِحَالَةَ مَحْوِ خَطَايَا الْمَرْءِ بِتَرَاكُمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَرَأَيْنَا أَنَّ حَتَّى مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ وَاثِقًا مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ عَلَى أَسَاسِ بِرِّهِ الذَّاتِيِّ، حَيْثُ قَالَ فِي الْقُرْآنِ: ”وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ“ (سُورَةُ الْأَحْقَافِ ٩). فَبِدُونِ نِعْمَةِ اللهِ، لَا يُخَلَّصُ أَحَدٌ. وَالْوَسِيلَةُ الَّتِي يُمْكِنُ لِلَّهِ أَنْ يُقَدِّمَ بِهَا الْمَغْفِرَةَ لِلْبَشَرِ دُونَ الْمُسَاسِ بِعَدْلِهِ أَوِ التَّقْلِيلِ مِنْ وَصَايَاهُ هِيَ الذَّبِيحَةُ الطَّوْعِيَّةُ لِذِي لَمْ يُقْتَرِفْ خَطِيئَةً. وَهَكَذَا قَالَ يَسُوعُ نَفْسُهُ: ”لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ“ (مَرْقُسَ ٤٥:١٠).
لَكِنَّنَا قَدَّمْنَا أَيْضًا الْفِكْرَةَ التَّالِيَةَ: إِنَّ اللهَ سَيَدِينُ كُلَّ شَخْصٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِي ٢ كُورِنْثُوسَ ١٠:٥: ”لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا”. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ ١٨: ”وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ“. لَقَدْ قُلْنَا الْكَثِيرَ عَنْ ضَرُورَةِ تَدَخُّلِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي بِدُونِهِ لَا يُخَلَّصُ أَحَدٌ. لَكِنَّ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُعَلِّمَانِ بِوَضُوحٍ مَسْؤُولِيَّةَ كُلِّ فَرْدٍ الشَّخْصِيَّةَ. فَبِأَيِّ مَعْنًى إِذَنْ يُدَانُ كُلُّ شَخْصٍ حَسَبَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ الَّذِي فَعَلَهُ؟ وَكَيْفَ تَتَدَخَّلُ نِعْمَةُ اللهِ؟ وَمَاذَا يَطْلُبُ اللهُ مِنَّا لِكَيْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَمْنَحَنَا نِعْمَتَهُ؟
مَاذَا يَطْلُبُ اللهُ مِنَّا؟
إِنْ كَانَ اللهُ يَبْحَثُ فِينَا عَنِ الْكَمَالِ وَغِيَابِ الْخَطِيئَةِ، فَلَنْ يَجِدَهُ. (فَضْلًا عَنْ أَنَّنَا لَنْ نَكُونَ نَتَحَدَّثُ عَنْ نِعْمَةٍ، بَلْ عَنْ شَيْءٍ مُسْتَحَقٍّ). لِكَيْ نَكُونَ مَرْضِيَّينَ فِي عَيْنَيْهِ بِأَعْمَالِنَا وَحْدَهَا، يَجِبُ أَنْ نُطِيعَ جَمِيعَ وَصَايَاهُ، كُلَّ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِنَا، ”لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ. فَإِنَّ الَّذِي قَالَ: «لَا تَزْنِ»، قَالَ أَيْضًا: «لَا تَقْتُلْ». فَإِنْ لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ قَتَلْتَ، فَقَدْ صِرْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ“ (يَعْقُوبُ ١٠:٢-١١). يُخْبِرُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِصَرَاحَةٍ: ”إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيئَةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا… إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا“ (١ يُوحَنَّا ٨:١، ١٠).
إِذَنْ، إِنْ كَانَ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ الْكَمَالَ فِينَا، فَمَاذَا يَطْلُبُ؟ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَحَ نِعْمَتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ لِلْإِنْسَانِ لِكَيْ لَا يُدَانَ، فَمَاذَا يَشْتَرِطُ فِيهِ قَبْلَ مَنْحِ هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ؟ فَفِي النِّهَايَةِ، لَنْ يَتَّخِذَ الْإِلَهُ الْعَادِلُ مَصِيرَ مَخْلُوقَاتِهِ الْأَبَدِيَّ بِطَرِيقَةٍ عَشْوَائِيَّةٍ أَوْ مُتَقَلِّبَةٍ أَوْ وَفْقًا لِمَزَاجٍ عَابِرٍ.
الْإِيمَانُ
يُمْكِنُ تَلْخِيصُ مَا يَطْلُبُهُ اللهُ مِنَ الْإِنْسَانِ بِكَلِمَةِ ”الْإِيمَانِ“. سَأَلَ الْيَهُودُ يَسُوعَ يَوْمًا: ”مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟“ فَأَجَابَهُمْ يَسُوعَ: ”هَذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي أَرْسَلَهُ“ (يُوحَنَّا ٢٨:٦-٢٩). كَانَ إِبْرَاهِيمُ، الْأَبُ وَالرَّسُولُ، رَجُلًا بَارًّا إِلَى حَدٍّ مَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا. مِثْلَهُ مِثْلَ جَمِيعِ الْبَشَرِ، ارْتَكَبَ الْخَطِيئَةَ. إِلَّا أَنَّهُ نَالَ رِضَى اللهِ بِسَبَبِ إِيمَانِهِ. يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ: ”فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا“ (رُومِيَةَ ٣:٤). وَيُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ الْفِكْرَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى: ”آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ، وَجَعَلَهُ هَذَا الْإِيمَانُ بِرًّا فِي عَيْنَيْ اللهِ“ (تَرْجَمَةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الدَّوْلِيَّةِ لِلْأَطْفَالِ).
تُعَلِّمُ الْعَدِيدُ مِنْ مَقَاطِعِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَنَّنَا نُخَلَّصُ بِالْإِيمَانِ. وَفْقًا لِرُومِيَةَ ١٦:١، فَإِنَّ الْإِنْجِيلَ هُوَ ”قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلَاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ”. وَيَقُولُ أَفَسُسَ ٨:٢ بِبَسَاطَةٍ: ”بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ، بِالْإِيمَانِ”. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْإِيمَانَ ضَرُورِيٌّ لِلْخَلَاصِ، وَبِدُونِهِ لَا يُخَلَّصُ أَحَدٌ. لَكِنْ لَا تُوجَدُ مَقْطَعٌ يَقُولُ إِنَّنَا نُخَلَّصُ بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ. فِي الْوَاقِعِ، تَظْهَرُ آيَاتٌ أُخْرَى أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْخَاطِئَ.
يَقُولُ يَعْقُوبُ ٢٠:٢، ٢٤: ”أَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ؟… تَرَوْنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالْأَعْمَالِ، لَا بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ“. (تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ كَلِمَةَ ”أَعْمَالٍ“ هُنَا لَا تُشِيرُ إِلَى أَعْمَالٍ تَسْتَحِقُّ أَجْرًا، بَلْ بِبَسَاطَةٍ إِلَى أَفْعَالٍ يَجِبُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْإِيمَانِ.) لَدَيْنَا مِثَالٌ مَلْمُوسٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالٍ فِي يُوحَنَّا ٤٢:١٢-٤٣، حَيْثُ يَقُولُ: ”عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الْعُظَمَاءِ أَيْضًا، وَلَكِنْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلَّا يُفْصَلُوا مِنَ الْمَجْمَعِ، لِأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ“. هَلْ خَلَصَ الْيَهُودُ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ؟ بِالتَّأْكِيدِ لَا! (انْظُرْ مَتَّى ٣٢:١٠-٣٣). لَمْ يُخَلَّصُوا لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ كَانَ خَاطِئًا. كَانَ لَدَيْهِمُ اقْتِنَاعٌ فِكْرِيٌّ — عَرَفُوا الْحَقِيقَةَ — لَكِنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوهَا بِأَفْعَالِهِمْ. إِذَنْ، هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ الْإِيمَانِ لَا يُخَلِّصُ.
إِذَنْ، السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ الْإِجَابَةُ عَلَيْهِ هُوَ: مَا نَوْعُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُخَلِّصُ، وَمَاذَا يَشْمَلُ هَذَا الْإِيمَانُ؟
نَوْعُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُخَلِّصُ
يُطْلَقُ عَلَى الْإِصْحَاحِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ رِسَالَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ اسْمَ ”إِصْحَاحِ الْإِيمَانِ“ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لِأَنَّهُ يُؤَكِّدُ بِقُوَّةٍ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْإِيمَانِ وَيَذْكُرُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لِأُنَاسٍ ”بِالْإِيمَانِ“ نَالُوا رِضَى اللهِ. فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، كَانَ الْكَاتِبُ قَدْ حَثَّ قُرَّاءَهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ”مِنَ الَّذِينَ يُومِنُونَ لِخَلَاصِ النَّفْسِ“ (عِبْرَانِيِّينَ ٣٩:١٠)، وَفِي الْإِصْحَاحِ ١١ يُوَضِّحُ لَهُمْ كَيْفَ يَتَجَلَّى هَذَا الْإِيمَانُ وَكَيْفَ يُكَافَأُ. يَذْكُرُ الْعَدِيدَ مِنَ الْأَفْرَادِ كَأَمْثِلَةٍ، وَنَرَى أَنَّ إِيمَانَ كُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ قَادَهُمْ إِلَى الْعَمَلِ:
عِبْرَانِيِّينَ ٤:١١: ”بِالْإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ…“
عِبْرَانِيِّينَ ٧:١١: ”بِالْإِيمَانِ نُوحٌ… بَنَى فُلْكًا لِخَلَاصِ بَيْتِهِ“
عِبْرَانِيِّينَ ٨:١١: ”بِالْإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا“
عِبْرَانِيِّينَ ٢٧:١١-٢٨: ”بِالْإِيمَانِ تَرَكَ مُوسَى مِصْرَ… بِالْإِيمَانِ عَيَّدَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلَّا يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الْأَبْكَارَ“
فِي كُلِّ حَالَةٍ، كَافَأَ اللهُ النَّاسَ عَلَى إِيمَانِهِمُ الْمُطِيعِ. عِنْدَمَا قَادَ الْإِيمَانُ إِلَى الطَّاعَةِ، نَالَ هَؤُلَاءِ النَّاسُ الْمُكَافَأَةَ ”بِالْإِيمَانِ“. الْإِيمَانُ الَّذِي لَا يَتَحَوَّلُ إِلَى طَاعَةٍ هُوَ عَدِيمُ الْفَائِدَةِ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْخَلَاصِ. كَمَا يَقُولُ بُولُسُ فِي غَلَاطِيَةَ ٦:٥: ”لِأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَا الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا الْغُرْلَةُ، بَلِ الْإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ“.
مَتَى يُخَلِّصُ الْإِيمَانُ؟
فِي أَيِّ مَرْحَلَةٍ يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ إِنَّ الْإِيمَانَ فَعَّالٌ لِخَلَاصِ الْخَاطِئِ؟ هَلْ مِنَ الْمُمْكِنِ مَعْرِفَةُ مَتَى يَنْتَقِلُ الشَّخْصُ مِنْ إِيمَانٍ مَيِّتٍ إِلَى إِيمَانٍ حَيٍّ يُمَكِّنُهُ مِنَ الْخَلَاصِ بِدَمِ يَسُوعَ؟
لَقَدْ رَأَيْنَا بِالْفِعْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِإِيمَانِهِ بِيَسُوعَ. وَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَيْضًا أَنْ يَتُوبَ، أَيْ أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارًا صَادِقًا بِالِابْتِعَادِ عَنِ الْخَطِيئَةِ. قَالَ يَسُوعُ فِي لُوقَا ٤٧:٢٤ إِنَّهُ ”يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا“. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مُرْتَبِطَانِ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ نَيْلَ مَغْفِرَةِ اللهِ دُونَ التَّوْبَةِ. قَالَ يَسُوعُ بِشَكْلٍ صَرِيحٍ فِي لُوقَا ٥:١٣: ”إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ سَتَهْلِكُونَ“. لِذَلِكَ، لَمْ يُهْمِلِ الرُّسُلُ فِي كِرَازَتِهِمُ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ”اللهَ الْآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ، لِأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ“ (أَعْمَالِ ٣٠:١٧-٣١).
وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَحْصُلُ الْخَاطِئُ عَلَى مَغْفِرَةِ اللهِ أَوْ نِعْمَتِهِ فِي لَحْظَةِ الِاعْتِرَافِ بِالْإِيمَانِ أَوْ أَثْنَاءَ التَّوْبَةِ، بَلْ عِنْدَمَا يُعَبَّرُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْمَعْمُودِيَّةِ. لَا تُفَكِّرُوا فِي الطَّقْسِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ بِبِضْعِ قَطَرَاتٍ مِنَ الْمَاءِ عَلَى الْمَوَالِيدِ الْجُدُدِ. فَهَذَا الطَّقْسُ بِالتَّأْكِيدِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانِ الشَّخْصِ الَّذِي يَتَلَقَّاهُ. الْمَعْمُودِيَّةُ، بِحَسَبِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، هِيَ عِنْدَمَا يَسْمَعُ الشَّخْصُ الْإِنْجِيلَ وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيَتُوبُ عَنِ الْخَطِيئَةِ، ثُمَّ يَسْمَحُ لِنَفْسِهِ أَنْ يُغَطَّسَ فِي الْمَاءِ، وَفْقًا لِوَصِيَّةِ يَسُوعَ وَصُورَةِ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. هَكَذَا يُظْهِرُ الشَّخْصُ إِيمَانَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَثِقَتَهُ وَخُضُوعَهُ لِلَّهِ.
بِحَسَبِ إِنْجِيلِ مَرْقُسَ، رَبَطَ يَسُوعُ نَفْسُهُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْمُودِيَّةِ كَشَرْطَيْنِ لِلْخَلَاصِ عِنْدَمَا أَوْكَلَ إِلَى تَلَامِيذِهِ مَهَمَّةَ تَبْشِيرِ الْعَالَمِ. قَالَ: ”مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ“ (مَرْقُسَ ١٦:١٦). لِلْإِدَانَةِ، يَكْفِي أَلَّا يُؤْمِنَ الشَّخْصُ. أَمَّا لِلْخَلَاصِ، فَيَجِبُ، بِحَسَبِ يَسُوعَ، لَيْسَ فَقَطْ أَنْ يُؤْمِنَ الْمَرْءُ بَلْ أَنْ يَعْتَمِدَ أَيْضًا. إِذَا فَهِمْنَا هَذَا، فَلَنْ نَتَفَاجَأَ عِنْدَمَا نَجِدُ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا حَقًّا بِالْإِنْجِيلِ قَبِلُوا الْمَعْمُودِيَّةَ عَلَى الْفَوْرِ. فِي يَوْمِ الْخَمْسِينَ، بَشَّرَ بُطْرُسُ بِبِشَارَةِ يَسُوعَ. فَقَالَ لِلَّذِينَ أَظْهَرُوا إِيمَانَهُمْ بِسُؤَالِهِمْ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ: ”تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا“ (أَعْمَالِ ٣٨:٢).
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَعْمُودِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ لِلْخَلَاصِ لَا يَنْفِي الْخَلَاصَ بِالْإِيمَانِ. فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لَا تُوضَعُ الْمَعْمُودِيَّةُ أَبَدًا فِي مُقَابِلِ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. الْمَعْمُودِيَّةُ لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الْإِيمَانِ؛ بَلْ هِيَ تُعَبِّرُ عَنْهُ. إِنَّهَا فِعْلٌ تُحَرِّكُهُ الْمُشَاعِرُ الْإِيمَانِيَّةُ، وَتُعَبِّرُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَتَجْعَلُ الْإِيمَانَ قَادِرًا عَلَى خَلَاصِنَا.
الْمَعْمُودِيَّةُ هِيَ أَيْضًا الْتِزَامٌ. بَعْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ، يَجِبُ أَنْ نُوَاصِلَ إِظْهَارَ إِيمَانِنَا بِبَذْلِ قُصَارَى جُهْدِنَا لِخِدْمَةِ اللهِ وَطَاعَةِ شَرَائِعِهِ، وَالتَّوْبَةِ بِصِدْقٍ وَالِابْتِعَادِ عَنْ خَطَايَانَا كُلَّمَا فَشِلْنَا فِي مُقَاوَمَةِ التَّجْرِبَةِ، دُونَ أَنْ نَضَعَ ثِقَتَنَا فِي بِرِّنَا الذَّاتِيِّ بَلْ فِي دَمِ الْمَسِيحِ الَّذِي يُطَهِّرُنَا. نَحْنُ لَا نُحَاوِلُ أَنْ نَكْسَبَ النِّعْمَةَ الَّتِي وُهِبَتْ لَنَا، بَلْ نَبْذُلُ كُلَّ جُهْدٍ لِئَلَّا ”نَسْقُطَ مِنَ النِّعْمَةِ“ (غَلَاطِيَةَ ٤:٥) أَوْ ”نُحْرَمَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ“ بِالسَّمَاحِ لِأَنْفُسِنَا بِالِانْجِرَافِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى حَيَاةِ الْخَطِيئَةِ وَالْفَسَادِ (عِبْرَانِيِّينَ ١٥:١٢). يَجِبُ أَنْ نَثْبُتَ فِي الْمَسِيحِ، الَّذِي يَمْنَحُنَا الْحَيَاةَ (يُوحَنَّا ٤:١٥-٦). وَفِي النِّهَايَةِ، لَا نُقَدِّمُ أَنْفُسَنَا أَمَامَ اللهِ بِفَخْرٍ بِأَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ، بَلْ نَأْتِي بِبِرِّ الْمَسِيحِ، الَّذِي تَمَسَّكْنَا بِهِ بِمُثَابَرَةٍ، وَهُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي وَضَعْنَا فِيهِ ثِقَتَنَا. إِذَنْ، سَيَعْتَمِدُ الْحُكْمُ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ، الَّتِي أَتاحَهَا ذَبِيحَةُ يَسُوعَ عَلَى الصَّلِيبِ، وَعَلَى خِيَارِنَا الشَّخْصِيِّ بِأَنْ نُؤْمِنَ وَنَضَعَ ثِقَتَنَا فِي الْمَسِيحِ لِلْخَلَاصِ وَنُطِيعَ الْإِنْجِيلَ.
لَكِنْ يَجِبُ اتِّخَاذُ هَذَا الْقَرَارِ بَيْنَمَا هُنَاكَ مُتَّسَعٌ مِنَ الْوَقْتِ. الْقُرْآنُ مُحِقٌّ فِي الْقَوْلِ إِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. ”وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ“. إِذَا كَانَ النِّدَاءُ لِلْمَسَاعَدَةِ فَقَطْ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، فَسَيَكُونُ الْأَوَانُ قَدْ فَاتَ. الْمَسِيحُ مُسْتَعِدٌّ حَقًّا أَنْ يَحْمِلَ خَطَايَاكَ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تُنَادِيَهُ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى كُرْسِيِّ الدِّينُونَةِ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ.