حَيَاةُ عِيسَى, ٱلْمَسِيحِ

١. وُجُودُهُ السَّابِقُ

يُؤْمِنُ أَتْبَاعُ بَعْضِ الْأَدْيَانِ أَنَّ الرِّجَالَ مَوْجُودُونَ فِي مَكَانٍ مَا قَبْلَ أَنْ يُولَدُوا عَلَى الْأَرْضِ. إِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ فِي مَكَانٍ مَا، فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، حَتَّى تَحِينَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يُمْكِنُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُولَدَ فِيهَا بِجَسَدٍ مَادِّيٍّ. يَعْتَقِدُ الْبَعْضُ أَنَّ الشَّخْصَ نَفْسَهُ يَعِيشُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً عَلَى الْأَرْضِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ أَجْسَادٍ مُخْتَلِفَةٍ. هَذِهِ الْفِكْرَةُ تُسَمَّى التَّنَاسُخَ. لَكِنَّهَا فِكْرَةٌ لَا تَظْهَرُ فِي أَيِّ مَكَانٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.

لَا تُعَلِّمُ الْمَسِيحِيَّةُ أَنَّ الشَّخْصَ مَوْجُودٌ فِي عَالَمٍ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْبَلَ بِهِ فِي جَسَدِ أُمِّهِ لِيُولَدَ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ. هُنَاكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ وُجُودٌ سَابِقٌ كَهَذَا، وَهَذَا الشَّخْصُ هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.

قَبْلَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ

فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، الْأَصْحَاحِ ١، نَقْرَأُ أَنَّ الْمَلَاكَ جِبْرَائِيلَ أَخْبَرَ الْكَاهِنَ الْمَسِنَّ، زَكَرِيَّا، أَنَّ زَوْجَتَهُ أَلِيصَابَاتَ، الَّتِي كَانَتْ عَاقِرًا، سَوْفَ تَلِدُ ابْنًا. وَكَانَ عَلَى زَكَرِيَّا أَنْ يُسَمِّيَهُ يُوحَنَّا. نَحْنُ نَعْرِفُهُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ بِاسْمِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَيَعِظُ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ لِيُعِدَّهُمْ لِمَجِيءِ الْمَسِيحِ.

وَفْقًا لِلْعَدَدِ ٣٦ مِنْ نَفْسِ الْأَصْحَاحِ، كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ مِنْ حَمْلِهَا عِنْدَمَا قَدَّمَ الْمَلَاكُ جِبْرَائِيلُ نَفْسَهُ لِلْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ لِيُخْبِرَهَا أَنَّهَا سَتَحْبَلُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَسَتَنْجِبُ طِفْلًا سَيُسَمَّى يَسُوعَ، الَّذِي لَنْ يَكُونَ لِمُلْكِهِ نِهَايَةً. عِنْدَمَا تَلَقَّتْ مَرْيَمُ هَذَا الْخَبَرَ، ذَهَبَتْ لِزِيَارَةِ أَلِيصَابَاتَ الَّتِي كَانَتْ قَرِيبَتَهَا. وَمِنَ الْوَاضِحِ إِذَنْ أَنَّ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ يَسُوعَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

لِهَذَا السَّبَبِ تَبْدُو بَعْضُ كَلِمَاتِ يُوحَنَّا غَرِيبَةً. فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا ١: ٢٩-٣٠، نَقْرَأُ أَنَّ يُوحَنَّا رَأَى يَسُوعَ مُقْبِلًا وَقَالَ: ”هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي“. وُلِدَ يَسُوعُ بَعْدَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ يَسُوعَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ (مِيخَا ٥: ٢).

لَكِنَّ إِعْلَانَ يُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ لِيَبْدُوَ مُفَاجِئًا جِدًّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُتُبَهُمُ الْمُقَدَّسَةَ. كَمَا تَرَوْنَ، قَبْلَ حَوَالَيْ ٧٠٠ سَنَةٍ، كَتَبَ النَّبِيُّ مِيخَا هَذَا: ”أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ“ (مِيخَا ٥: ٢). عَلِمَ الْيَهُودُ أَنَّ هَذَا الْمَقْطَعَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسِيحِ الَّذِي سَيَأْتِي. عِنْدَمَا وُلِدَ يَسُوعُ، وَصَلَ رِجَالٌ مِنَ الشَّرْقِ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَسَأَلُوا:

”أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ“. فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْبِ، وَسَأَلَهُمْ: ”أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟“ فَقَالُوا لَهُ: ”فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا، لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لِأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ“. (مَتَّى ٢: ٢-٦)

فَالْيَهُودُ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّصَّ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسِيحِ، الَّذِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ الْمَسِيَّا. لَكِنَّ هَذَا النَّصَّ يُخْبِرُنَا بِأَكْثَرَ مِنِ اسْمِ الْمَدِينَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا يَسُوعُ. كَانَ يُوحَنَّا مُحِقًّا فِي قَوْلِهِ إِنَّ يَسُوعَ سَبَقَهُ.

قَبْلَ أَنْ نَتْرُكَ هَذَا النَّصَّ فِي سِفْرِ مِيخَا، دَعُونَا نُشِيرْ إِلَى لُعْبَةِ كَلِمَاتٍ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ كُتِبَ بِالُّلْغَةِ الْعِبْرِيَّةِ، وَفِي الْعِبْرِيَّةِ يَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الْآيَةُ مَرَّتَيْنِ صِيَغًا مِنَ الْكَلِمَةِ نَفْسِهَا ”خُرُوج“. إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْمَسِيحَ ”يَخْرُجُ“ مِنْ بَيْتِ لَحْمٍ، وَلَكِنَّهُ يَضِيفُ أَنَّ ”خُرُوجَاتِهِ“ تَعُودُ إِلَى أَيَّامِ الْأَزَلِ. لَا يَقُولُ النَّصُّ شَيْئًا عَنْ وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْمَسِيحُ قَدْ وُجِدَ بَعْدُ. إِنَّهُ يُخْبِرُنَا أَنَّ يَسُوعَ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ لَحْمٍ لِيُتِمَّ رِسَالَتَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَهُ لِ-”يَخْرُجَ“. فَقَدْ كَانَ فَعَّالًا مُنْذُ الْأَزَلِ.

يَسُوعُ وَإِبْرَاهِيمُ

إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ لَمْ يَفْهَمُوا هَذَا النَّصَّ، الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِوَضُوحٍ عَنْ وُجُودِ الْمَسِيحِ السَّابِقِ، أَوْ أَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ. وَلَكِنَّهُمْ بَدَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا عِنْدَمَا قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ إِنَّهُ رَأَى أَبَاهُمْ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي عَاشَ قَبْلَهُمْ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ. فَقَالَ لَهُمْ فِي يُوحَنَّا ٨: ٥٦-٥٩:

”أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ“. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: ”لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟“ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ”الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كَائِنٌ“. فَأَخَذُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ، أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا بَيْنَهُمْ وَمَضَى هَكَذَا.

وَفِي يُوحَنَّا ١٧، يَذْهَبُ يَسُوعُ أَيْضًا أَبْعَدَ مِنْ مُجَرَّدِ حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ بِالْبَطْرِيَرْكِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَدْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ مَعَ اللَّهِ الْآبِ قَبْلَ وُجُودِ الْعَالَمِ. هَذَا مَقْطُوفٌ مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي رَفَعَهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِ: ”وَالْآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الْآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ“ (يُوحَنَّا ١٧: ٥).

يَسُوعُ وَخَلْقُ الْعَالَمِ

تُؤَكِّدُ عِدَّةُ نُصُوصٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ شَارَكَ فِي خَلْقِ كُلِّ الْأَشْيَاءِ. كُولُوسِّي ١: ١٦-١٧:

”فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلَاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ“.

يَسُوعُ هُوَ الْإِنْسَانُ الْوَحِيدُ الَّذِي وُجِدَ قَبْلَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ. لَمْ يَكُنْ يَسُوعُ فَقَطْ مَوْجُودًا قَبْلَ وِلَادَتِهِ هُنَا عَلَى الْأَرْضِ، بَلْ إِنَّهُ وُجِدَ دَائِمًا. وَلَكِنَّهُ فِي يَوْمٍ مَا صَارَ إِنْسَانًا لِكَيْ يُخَلِّصَنَا. فَقَدْ مَجَّدَ اللَّهُ بِإِتْمَامِ رِسَالَتِهِ. وَبَعْدَ أَنْ أُهِينَ، تَمَّ تَمْجِيدُهُ مَرَّةً أُخْرَى.

الْخَاتِمَةُ

فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ الدُّرُوسِ، نَنْوِي التَّحَدُّثَ أَكْثَرَ عَنْ يَسُوعَ، الشَّخْصِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ. الْقُرْآنُ يَتَحَدَّثُ كَثِيرًا عَنْ يَسُوعَ (أَوْ عِيسَى). يُسَمَّى الْمَسِيحَ، ابْنَ مَرْيَمَ، رَسُولَ اللَّهِ، رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَةَ اللَّهِ. وَلَكِنَّنَا نَسْتَقِي أَكْثَرَ مِنَ الْإِنْجِيلِ، الَّذِي يَحْتَوِي عَلَى مَرَاجِعَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ مَصْدَرٍ آخَرَ. إِذَا كُنْتَ تُرِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَزِيدِ عَنْ حَيَاتِهِ، تَعَالِيمِهِ أَوْ مُعْجِزَاتِهِ، نُشَجِّعُكَ عَلَى مُوَاصَلَةِ هَذَا الدَّرْسِ مَعَنَا.