حَيَاةُ عِيسَى, ٱلْمَسِيحِ

١٢. يَسُوعُ يَدْعُو الرُّسُلَ

فِي دِرَاسَاتِنَا السَّابِقَةِ لِحَيَاةِ يَسُوعَ، رَأَيْنَا نُصُوصًا تَتَحَدَّثُ عَنِ التَّلَامِيذِ. وَالتِّلْمِيذُ هُوَ مِثْلُ طَالِبٍ أَوْ مُتَمَهِّنٍ. وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَتْبَعُ مُعَلِّمًا لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ وَحَتَّى لِيُصْبِحَ مُشَابِهًا لَهُ. وَكَانَ لِيَسُوعَ كَثِيرُونَ مِنَ التَّلَامِيذِ.

وَبَعْدَ مُدَّةٍ، اخْتَارَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ التَّلَامِيذِ لِيُصْبِحُوا رُسُلًا. فِي الْحَقِيقَةِ، سَيُسَمَّوْنَ تَلَامِيذَ أَوْ طُلَّابًا طَوَالَ سِفْرِ الْإِنْجِيلِ، لَكِنَّ يَسُوعَ بَدَأَ يُعِدُّهُمْ لِدَوْرٍ خَاصٍّ… دَوْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا.

”وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ، وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ لِلَّهِ. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلَامِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا «رُسُلًا»“ (لُوقَا ١٣،١٢:٦). وَيَزِيدُ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ:

”ثُمَّ أَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، وَلِتَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ لِشِفَاءِ الْأَمْرَاضِ وَلِإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ: سِمْعَانَ، وَسَمَّاهُ بُطْرُسَ؛ وَيَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ، وَسَمَّاهُمَا «بُوَانِيرْجِسَ» أَيْ «ابْنَيِ الرَّعْدِ»؛ وَأَنْدَرَاوُسَ، وَفِيلُبُّسَ، وَبَرْثُولَمَاوُسَ، وَمَتَّى، وَتُومَا، وَيَعْقُوبَ بْنَ حَلْفَى، وَتَدَّاوُسَ، وَسِمْعَانَ الْقَانَوِيَّ؛ وَيَهُوذَا الْإِسْخَرْيُوطِيَّ الَّذِي أَسْلَمَهُ أَيْضًا.“ (مَرْقُس ١٤:٣–١٩)

وَحَسَبَ أَعْمَالِ الرُّسُلِ ١٣:٤، لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ مُتَعَلِّمِينَ جِدًّا بَلْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى عَامَّةِ الشَّعْبِ. وَكَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ صَيَّادِينَ. وَكَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ جَابِيَ ضَرَائِبَ، وَهِيَ مِهْنَةٌ كَانَ يَكْرَهُهَا أَكْثَرُ الْيَهُودِ. لَكِنَّ يَسُوعَ رَأَى فِي هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ لِرِسَالَةٍ رُوحِيَّةٍ؛ رِسَالَةٍ بِهِذَا الْأَهَمِّيَّةِ حَتَّى إِنَّ يَسُوعَ قَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِاخْتِيَارِهِ. فَمَا كَانَ عَمَلُ الرَّسُولِ؟

دَوْرُ الرُّسُلِ

كَلِمَةُ ”رَسُول“ تَعْنِي ”شَخْصًا مُخْتَارًا وَمُرْسَلًا بِرِسَالَةٍ خَاصَّةٍ كَمُمَثِّلٍ مُفَوَّضٍ بِكُلِّ سُلْطَةٍ مِنْ قِبَلِ مُرْسِلِهِ“. وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نَفْسُهُ يَسْتَخْدِمُ الْكَلِمَةَ بِطَرِيقَتَيْنِ. فَمَرَّةً بِمَعْنًى عَامٍّ وَغَيْرِ رَسْمِيٍّ لِلْكَلَامِ عَنْ شَخْصٍ تُرْسِلُهُ جَمَاعَةٌ لِلْكِرَازَةِ، مِثْلَ الَّذِينَ نُسَمِّيهِمْ كَثِيرًا ”مُبَشِّرِينَ“. لَكِنْ عَادَةً يَسْتَخْدِمُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كَلِمَةَ ”رَسُول“ بِالْمَعْنَى الْأَضْيَقِ لِشَخْصٍ اخْتَارَهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ وَأَعْطَاهُ سُلْطَاتٍ مُعَيَّنَةً وَالسُّلْطَةَ لِيَتَكَلَّمَ بِاسْمِهِ. فَنَرَى أَنَّ يَسُوعَ أَعْطَى هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ رِسَالَةَ الْكِرَازَةِ وَالسُّلْطَةَ لِإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ وَلِشِفَاءِ الْأَمْرَاضِ.

لَكِنَّ الدَّوْرَ الْأَسَاسِيَّ لِهَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ دَوْرَ الشُّهُودِ. فَقَدْ نَالُوا امْتِيَازَ مَعْرِفَةِ يَسُوعَ بِطَرِيقَةٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ حَمِيمِيَّةً، وَالشَّهَادَةِ عَلَى حَقِيقَةِ قِيَامَتِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَتَسْلِيمِ تَعَالِيمِهِ إِلَى الْعَالَمِ. وَتُبْرِزُ عِدَّةُ نُصُوصٍ طَبِيعَةَ الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ عَلَى الرُّسُلِ أَنْ يَقُومُوا بِهِ.

فَقَالَ يَسُوعُ لِلرُّسُلِ فِي يُوحَنَّا ٢٧،٢٦:١٥: ”وَأَمَّا مَتَى جَاءَ الْمُعِينُ الَّذِي أُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْآبِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الْآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الْبَدَايَةِ“. وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا بِحَاجَةٍ إِلَى الشَّهَادَةِ عَنْ يَسُوعَ، سَاعَدَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى تَذَكُّرِ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ. ”وَأَمَّا الْمُعِينُ، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الْآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ“ (يُوحَنَّا ٢٦:١٤). وَعِنْدَمَا كَانَ يَسُوعُ يُعِدُّ نَفْسَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى السَّمَاءِ، ذَكَّرَ الرُّسُلَ قَائِلًا: ”لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٨:١).

وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، كَانَ الرُّسُلُ وَتَلَامِيذُ يَسُوعَ الْآخَرُونَ مُجْتَمِعِينَ مَعًا، فَتَحَدَّثَ بُطْرُسُ إِلَيْهِمْ عَنْ يَهُوذَا الْإِسْخَرْيُوطِيِّ، الَّذِي سَلَّمَ يَسُوعَ ثُمَّ انْتَحَرَ. وَبِخِيَانَتِهِ، كَانَ قَدْ أَفْقَدَ نَفْسَهُ أَهْلِيَّةَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِيَسُوعَ. وَمُسْتَشْهِدًا بِالنُّبُوَّاتِ الْكِتَابِيَّةِ، اسْتَنْتَجَ بُطْرُسُ: ”فَيَجِبُ أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا وَخَرَجَ الرَّبُّ يَسُوعُ بَيْنَنَا، مُبْتَدِئًا مِنْ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ شَاهِدًا مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٢٢،٢١:١). وَهَذَا هُوَ سَبَبُ اخْتِيَارِ مَتَّيَاسَ.

وَبَعْدَ سِنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، أَعْلَنَ بُطْرُسُ الْبُشْرَى لِكُورَنِيلِيُوسَ وَعَائِلَتِهِ. وَأَكَّدَ مَرَّةً أُخْرَى فِكْرَةَ أَنَّ الرُّسُلَ كَانُوا شُهُودَ عِيَانٍ عَلَى قِيَامَةِ يَسُوعَ:

”هَذَا أَقَامَهُ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَعْطَاهُ أَنْ يَظْهَرَ، لَيْسَ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، بَلْ لِشُهُودٍ سَبَقَ اللَّهُ فَاخْتَارَهُمْ: لَنَا نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ. وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ، وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللَّهِ دَيَّانًا لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ.“ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٤٠:١٠–٤٢)

قَدْ يَبْدُو أَنَّ حَقِيقَةَ اخْتِيَارِ الشُّهُودِ مُسْبَقًا تُقَلِّلُ مِنْ قِيمَةِ شَهَادَتِهِمْ، كَأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ التَّوَاطُؤِ. وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْحَالَ لَوْ أُخْتِيرَ الشُّهُودُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا قَدْ يَكُونُ لَهُمْ مَصْلَحَةٌ تُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى الْكَذِبِ، أَوْ لَوْ كَانُوا رِجَالًا يُمْكِنُ خِدَاعُهُمْ بِسُهُولَةٍ.

فِي الْحَقِيقَةِ، نَرَى أَنَّ الْعَكْسَ هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ. فَالرُّسُلُ، بَعْدَ أَنْ تَشَتَّتُوا بَعْدَ قَبْضِهِمْ عَلَى يَسُوعَ، كَانُوا فِي خَوْفٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ يَسُوعُ، ”وَحِينَئِذٍ كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلَامِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ خَوْفِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلَامٌ لَكُمْ»“ (يُوحَنَّا ١٩:٢٠). فَلَمْ يَرَوْا أَيَّ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَكُونُوا مُرْتَبِطِينَ بِاسْمِ يَسُوعَ. وَلَمَّا بَدَأُوا بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَنًا عَنْ يَسُوعَ، تَبَيَّنَ أَنَّ خَوْفَهُمْ كَانَ مَبْرَرًا. فَبِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ، جُلِدُوا وَسُجِنُوا، وَفِي النِّهَايَةِ قُتِلَ بَعْضُهُمْ. فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَبْتَغُونَ مَنْفَعَةً شَخْصِيَّةً عِنْدَمَا قَدَّمُوا شَهَادَتَهُمْ.

بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ وَالشُّهُودُ الْآخَرُونَ ”الْمُخْتَارُونَ مُسْبَقًا“ لَيَكُونُوا أَشْخَاصًا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا بِسُهُولَةٍ فِي التَّعَرُّفِ عَلَى هُوِيَّةِ مَنْ ظَهَرَ لَهُمْ كَيَسُوعَ الْقَائِمِ مِنَ الْأَمْوَاتِ. فَهُمْ نَفْسُهُمُ الَّذِينَ أَكَلُوا وَشَرِبُوا مَعَهُ، وَالَّذِينَ عَرَفُوهُ بِشَكْلٍ حَمِيمٍ. لَوْ أَنَّ يَسُوعَ ظَهَرَ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، لَرُبَّمَا شَكَّ بَعْضُهُمْ لَاحِقًا وَتَعَرَّضَتْ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ لِلِاخْتِلَالِ.

حَالَةُ بُولُسَ

أَلْرَسُولٌ بُولُسُ هُوَ حَالَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ إِلَى حَدٍّ مَا. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ مَعَ الِاثْنَيْ عَشَرَ خِلَالَ الْخِدْمَةِ الْأُولَى لِيَسُوعَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ بِالتَّأْكِيدِ لَدَيْهِ فُرَصٌ لِرُؤْيَةِ يَسُوعَ وَسَمَاعِهِ وَهُوَ يَكْرِزُ جَهَارًا. وَقَدْ قَالَ بُولُسُ نَفْسُهُ إِنَّهُ رَسُولٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ اضْطَهَدَ الْكَنِيسَةَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ بِيَسُوعَ. مَعَ ذَلِكَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْبِدَايَةِ، أَكَّدَ حَقِيقَةَ أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا شَهِدَ قِيَامَةَ يَسُوعَ، وَهَذَا هُوَ الشَّيْءُ الضَّرُورِيُّ لِكَيْ يَكُونَ الشَّخْصُ رَسُولًا. فَقَالَ فِي ١ كُورِنْثُوس ١:٩: ”أَلَسْتُ أَنَا رَسُولًا؟ أَلَسْتُ أَنَا حُرًّا؟ أَمَا رَأَيْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟“ وَكَانَ لَازِمًا أَنْ يَقْتَرِنَ هَذَانِ الْفِكْرَانِ مَعًا. وَفِي ١ كُورِنْثُوس ١٥، بَعْدَ أَنْ تَحَدَّثَ عَنْ مَنَاسَبَاتٍ ظَهَرَ فِيهَا الْمُخَلِّصُ الْقَائِمُ لِلرُّسُلِ الْآخَرِينَ، قَالَ بُولُسُ: ”وَآخِرَ الْجَمِيعِ، ظَهَرَ لِي أَنَا أَيْضاً، وَكَأَنِّي طِفْلٌ وُلِدَ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ!“ (١ كُورِنْثُوس ٨:١٥)

وَمَرَّةً أُخْرَى، لِنُؤَكِّدْ حَقِيقَةَ أَنَّ دَوْرَ الرُّسُلِ، إِذَنْ، كَانَ أَنْ يُقَدِّمُوا لِلْعَالَمِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ يَسُوعَ قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَأَنَّهُ كَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحَ، ابْنَ اللَّهِ. وَكَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ بِهِمْ، كَشُهُودٍ مُوَحَّى إِلَيْهِمْ، أَنْ يُحَدِّثُوا الْعَالَمَ عَمَّا فَعَلَهُ يَسُوعُ وَعَلَّمَهُ خِلَالَ حَيَاتِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا بِأَمَانَةٍ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَصَايَا الرَّبِّ وَالْحَقَائِقَ الَّتِي كَانَ قَدْ أَعْلَنَهَا لَهُمْ. لَمْ يَكُونُوا مُدِيرِينَ أَوْ مُشْرِفِينَ عَلَى مُنَظَّمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ. لَمْ يَكُونُوا مُسْتَلْزِمِينَ أَوْ قَادَةً فِي تَسَلسُلٍ كَنَسِيٍّ، مَأْمُورِينَ بِالْإِشْرَافِ أَوْ وَضْعِ اسْتِرَاتِيجِيَّاتِهِ. كَانَ دَوْرُهُمْ، فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ يَشْهَدُوا، وَيُنَادُوا، وَيُعَلِّمُوا.

وُجُودُ رُسُلٍ كَذَبَةٍ

اليَوْمَ، كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ ”رُسُلًا“. لَكِنْ، لِأَسْبَابٍ رَأَيْنَاهَا لِلْتو، لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا حَقِيقِيِّينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَوَّلًا، هُمْ لَيْسُوا شُهُودًا عَلَى قِيَامَةِ يَسُوعَ، وَلَمْ يَرَوُا الْمَسِيحَ الْقَائِمَ. وَيَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ كَمَا رَآهُ الرَّسُولُ بُولُسُ، وَلَكِنَّ بُولُسَ قَالَ إِنَّهُ كَانَ الْآخِرَ.

وَيُدْعَى بَعْضُهُمْ رُسُلًا لِأَنَّ كَنِيسَتَهُمْ أَعْطَتْهُمْ هَذَا اللَّقَبَ. وَلَكِنَّ مُنَظَّمَةً لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسَمِّيَ شَاهِدًا إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ قَدْ رَأَى مَا مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَيْهِ. وَيَلْبَسُ آخَرُونَ لَقَبَ أُسْقُفٍ بَدَلًا مِنْ رَسُولٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّوْرِ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَالشَّاهِدُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيفٌ.

إِذَا رَأَيْتُ سَيَّارَتَيْنِ تَصْطَدِمَانِ، فَأَنَا شَاهِدٌ عَلَى الْحَادِثِ. وَلَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ، قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ، أَنْ أُسَمِّيَ ابْنِي خَلِيفًا، شَاهِدًا عَلَى الْحَادِثِ مَكَانِي إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا وَلَمْ يَرَ السَّيَّارَتَيْنِ الْمَعْنِيَّتَيْنِ. بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، لَمْ يُسَمِّ الرُّسُلُ الْأَسَاقِفَةَ خُلَفَاءَهُمْ قَطُّ، وَلَمْ يَصِفُوهُمْ بِأَنَّهُمْ شُهُودٌ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، تَسَلَّمَ الرُّسُلُ قُدُرَاتٍ مُعْجِزِيَّةً مِنَ الْمُخَلِّصِ. فَقَدْ أَجْرَى الرَّسُولُ بُولُسُ مُعْجِزَاتٍ وَدَعَاهَا آيَاتِ رِسَالَتِهِ: ”إِنَّ آيَاتِ الرَّسُولِ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ فِي كُلِّ صَبْرٍ، بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ.“ (٢ كُورِنْثُوس ١٢:١٢)

وَالَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ رُسُلًا أَوْ خُلَفَاءَ لِلرُّسُلِ هَذِهِ الْأَيَّامَ لَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا يُقَارَنُ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي يَصِفُهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ تَعْلِيمَهُمْ يَنْحَرِفُ كُلِّيَّاً عَنْ تَعْلِيمِ الرُّسُلِ الْحَقِيقِيِّينَ، الَّذِي حُفِظَ لَنَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ.

حَتَّى فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، كَانَ هُنَاكَ رِجَالٌ مِثْلُ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ زُورًا أَنَّهُمْ رُسُلٌ لِلْمَسِيحِ. ”لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ غَاشُّونَ، يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شَبِيهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ.“ (٢ كُورِنْثُوس ١٣:١١). وَلَيْسَ مِنَ السَّيِّئِ أَلَّا نُقِرَّ بِالْأَلْقَابِ الَّتِي يَأْخُذُهَا النَّاسُ لِأَنْفُسِهِمْ خَطَأً. بَلْ إِنَّ يَسُوعَ مَدَحَ الْكَنِيسَةَ فِي أَفَسُسَ بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ: ”أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْتَمِلَ الْأَشْرَارَ. وَقَدْ جَرَّبْتَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلًا، فَوَجَدْتَهُمْ كَذَبَةً.“ (رُؤْيَا ٢:٢).

خَاتِمَةٌ

بِعَمَلِهِمْ، وَضَعَ الرُّسُلُ الْحَقِيقِيُّونَ أَسَاسًا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الْمَسِيحِيُّونَ فِي جَمِيعِ الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ (أَفَسُس ٢٠:٢). وَقَالَ الرَّسُولُ بُطْرُسُ إِنَّهُ قَدْ كَتَبَ لِكَيْ يَسْتَطِيعَ النَّاسُ بَعْدَ رَحِيلِهِ أَنْ يَتَذَكَّرُوا الْأُمُورَ الَّتِي كَانَ قَدْ عَلَّمُوهُمْ إِيَّاهَا (٢ بُطْرُس ١٥:١). فَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى خُلَفَاءَ بَلْ عَلَى الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. فَفِي صَفَحَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، تَرَكَ لَنَا بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ الْآخَرُونَ دُسْتُورًا، وَدَلِيلًا نَتْبَعُهُ. كَمَا كَتَبَ الرَّسُولُ يُوحَنَّا فِي ١ يُوحَنَّا ٦:٤: ”نَحْنُ مِنَ اللَّهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ لَا يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هَذَا نَعْرِفُ رُوحَ الْحَقِّ وَرُوحَ الضَّلَالِ“.

→ الْمَقَالُ السَّابِقُ
١١. شِفَاءُ المَفْلُوجِ