وَبَعْدَ أُولَى مُعْجِزَاتِهِ فِي الجَلِيلِ وَبَعْدَ رِحْلَتِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَيْثُ طَرَدَ البَائِعِينَ والصَّيَارِفَةَ مِنَ الهَيْكَلِ وَتَحَدَّثَ مَعَ نِيقُودِيمُوسَ، أَحَدِ قَادَةِ اليَهُودِ، مَرَّ يَسُوعُ عَبْرَ السَّامِرَةِ وَعَادَ إِلَى الجَلِيلِ، وَتَحَدِيدًا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ الَّتِي كَانَتْ قَاعِدَةً لَهُ. الْيَوْمَ نَجِدُهُ فِي بَيْتٍ يُعَلِّمُ جَمْعًا غَفِيرًا.
”وَدَخَلَ كَفْرِنَاحُومَ أَيْضًا بَعْدَ أَيَّامٍ فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. فَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ البَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالكَلِمَةِ. فَجَاءُوا إِلَيْهِ مُحْمِلِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الجَمْعِ كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. فَلَمَّا نَقَّبُوهُ دَلَّوْا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ المَفْلُوجُ مَضْطَجِعًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةً لَكَ خَطَايَاكَ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هَذَا هَكَذَا بِمُجَدِّفَاتٍ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ؟ فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هَكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهَذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا — قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ. فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ أَمَامَ الْجَمِيعِ حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللَّهُ قَائِلِينَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ!“ (مَرْقُس ١:٢-١٢).
المُشْكِلَةُ الأَكْثَرُ إِلْحَاحًا، حَسَبَ يَسُوع
مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ أَكْثَرَ جُزْءٍ مُدْهِشٍ فِي هَذِهِ القِصَّةِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المُعْجِزَةِ نَفْسِهَا، هُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ قَالَهُ يَسُوعُ لِلرَّجُلِ المَفْلُوجِ: ”يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ“. كَانَ إِعْلَانًا مُدْهِشًا لِسَبَبَيْنِ.
أَوَّلاً، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ جِيءَ بِهِ إِلَى هُنَاكَ بِسَبَبِ حَالَتِهِ الجَسَدِيَّة. بِلاَ أَيَّ شَكٍّ، أَرَادُوا أَنْ يَشْفِيَ يَسُوعُ هَذَا الرَّجُلَ مِنَ المَرَضِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَ أَعْضَاءَهُ، أَنْ يَتَنَقَّلَ بِنَفْسِهِ، أَنْ يُطْعِمَ نَفْسَهُ، أَنْ يَعْمَلَ كَمَا يَفْعَلُ الآخَرُونَ وَأَنْ يَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةً. لَقَدْ كَانَ مَحْصُورًا فِي سَرِيرِهِ لِمَنْ يَعْرِفُ كَمْ مِنَ الوَقْتِ، وَأَصْدِقَاؤُهُ، مِثْلَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، أَرَادُوا أَنْ تُشْفَى جَسَدُهُ.
لِنَقُلْ بِالمُنَاسَبَةِ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ الأَرْبَعَةَ كَانَ لَدَيْهِمَ ثِقَةٌ عَظِيمَةٌ فِي قُدْرَةِ يَسُوعَ عَلَى شِفَاءِ هَذَا المَرَضِ. آمَنُوا أَنَّ يَسُوعَ كَانَ أَمَلَهُمُ الوَحِيدَ وَأَنَّهُ إِذَا اسْتَطَاعُوا جَذِبَ انْتِبَاهِ يَسُوعَ إِلَى صَدِيقِهِمْ، فَسَيُشْفَى. وَإِذْ كَانُوا مُتَأَكِّدِينَ أَنَّ جُهْودَهُمْ سَتُكْافَأُ، لَمْ يَسْمَحُوا لِلجُمُوعِ الَّتِي مَنَعَتْ وُصُولَهُمْ إِلَى البَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَسُوعُ أَنْ تُثَبِّطَ عَزِيمَتَهُمْ. صَعِدُوا إِلَى السَّقْفِ حَيْثَ فَتَحُوا فَتْحَةً وَأَنْزَلُوا صَدِيقَهُمْ عَلَى نَقَالَتِهِ أَوْ حَصِيرَتِهِ مُبَاشَرَةً أَمَامَ يَسُوعَ. أَرَادُوا أَنْ يُشْفَى صَدِيقُهُمْ. كَانَ لَدَيْهِمْ إِيمَانٌ بِأَنَّ يَسُوعَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ هَذَا وَقَدْ جَسَّدُوا إِيمَانَهُمْ بِالفِعْلِ.
يَجِبُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ إِيمَانِنَا أَيْضًا بِالفِعْلِ مِنْ خِلَالِ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ وَالخِدْمَةِ وَمِنْ خِلَالِ ثَبَاتٍ وَمُثَابَرَةٍ فِي وَجْهِ العَقَبَاتِ وَالآلامِ. كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ: ”كَذَلِكَ الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. لكِنْ سَيَقُولُ وَاحِدٌ: أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ. أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي“ (يَعْقُوب ١٧:٢-١٨).
كَمَا كُنَّا نَقُولُ، جَاءَ الرَّجُلُ المَفْلُوجُ وَأَصْدِقَاؤُهُ لِشِفَاءٍ جَسَدِيٍّ، لكِنَّ يَسُوعَ تَكَلَّمَ أَوَّلاً عَنِ الخَطِيَّةِ. قَبْلَ شِفَاءِ الجَسَدِ، أَفَضَّلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى مُشْكِلَةِ الخَطِيَّةِ. فَبِالْفِعْلِ، مَهْمَا تَكُنِ المَشَاكِل العَدِيدَةُ فِي الحَيَاةِ — مَرَضٌ، بَطَالَةٌ، حَرْبٌ، فَقْرٌ، عَدَمُ أَمْنٍ، إِلَخ — فَإِنَّ مُشْكِلَتَنَا رَقَمَ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ أَعْتَرَفْنَا بِهَا أَمْ لَا، هِيَ دَائِمًا الخَطِيَّةُ. إِنَّهَا الخَطِيَّةُ — عِصْيَانُنَا، تَمَرُّدُنَا تِجَاهَ اللَّهِ، تَهَاوُنُنَا، كِبْرِيَاؤُنَا — كُلُّ مَا يُفَرِّقُنَا عَنِ اللَّهِ وَيُدِينُنَا أَمَامَ شَرِيعَتِهِ القُدُّوسَةِ العَادِلَةِ. هَذِهِ هِيَ أَكْبَرُ مُشْكِلَةٍ لَنَا. أَمَّا المُشْكِلَاتُ الأُخْرَى فَسَنَتْرُكُهَا يَوْمًا مَا. إِنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ فَقَطْ، لأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِوُجُودِنَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ. لَكِنَّ الخَطِيَّةَ شَرٌّ لَيْسَتْ عَوَاقِبُهُ مُرْعِبَةً فَحَسْبُ — بَلْ هِيَ أَبَدِيَّةٌ.
عَلِمَ يَسُوعُ أَنَّ أَعْظَمَ احْتِيَاجٍ لِلرَّجُلِ الَّذِي وُضِعَ أَمَامَهُ لَمْ يَكُنْ شِفَاءَ جَسَدِهِ بَلْ شِفَاءَ نَفْسِهِ، مَغْفِرَةَ خَطَايَاهُ أَمَامَ اللَّهِ، إِزَالَةَ الحَاجِزِ الَّذِي كَانَ يُفَرِّقُهُ عَنْ خَالِقِهِ. لَمْ يَتْغَاضَ المُخَلِّصُ عَنِ احْتِيَاجَاتِهِ الجَسَدِيَّةِ، لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الاحْتِيَاجَاتِ الرُّوحِيَّةَ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً وَإِلْحَاحًا. لَمْ يَسْمَحْ لِلاحْتِيَاجَاتِ الجَسَدِيَّةِ أَنْ تُسَبِّبَ نِسْيَانَ الرُّوحِيَّةِ. هَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا يَحْدُثُ لَنَا كَثِيرًا، وَهُوَ سَبَبُ اِسْتِغْرَابِنَا لِرَدِّ فِعْلِ يَسُوعَ. يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُودَنَا رَدُّ فِعْلِهِ إِلَى التَّفْكِيرِ فِي سُلُوكِ بَعْضِ القَادَةِ الدِّينِيِّينَ اليَوْمَ الَّذِينَ يُؤَكِّدُونَ بِاسْتِمْرَارٍ عَلَى الشِّفَاءَاتِ الجَسَدِيَّةِ وَالرَّخَاءِ المَادِّيِّ بَدَلًا مِنْ مَغْفِرَةِ الخَطِيَّةِ وَ“مِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٍ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ“ (بُطْرُسَ الأُولَى ٤:١).
السُّلْطَةُ عَلَى مَغْفِرَةِ الخَطَايَا عَلَى الأَرْضِ
لكِنَّ الإِعْلَانَ ”يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ“ كَانَ مُدْهِشًا لِسَبَبٍ ثَانٍ أَيْضًا.
عِنْدَمَا سَمِعَ الكَتَبَةُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ مِنْ يَسُوعَ، فَكَّرُوا هَكَذَا: (١) إِنَّمَا اللَّهُ وَحْدَهُ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا. إِنَّ شَرِيعَتَهُ هِيَ الَّتِي تُنْتَهَكُ عِنْدَمَا نُخْطِئُ، وَبِالتَّالِي فَهُوَ وَحْدَهُ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْفِيَ عَنْ خَطِيَّتِنَا. (٢) لَمْ يَرَوْا بِأَيِّ مَعْنًى يُمْكِنُ لِيَسُوعَ أَنْ يَحْتَلَّ مَكَانَ اللَّهِ. (٣) لِذَلِكَ اسْتَنتَجُوا أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يُجَدِّفُ. عَلِمَ يَسُوعُ مَا كَانُوا يُفَكِّرُونَ فِيهِ فِي قُلُوبِهِمْ. كَانَ يَعْرِفُ قَلْبَ كُلِّ شَخْصٍ. فَأَجَابَ عَلَى أَفْكَارِهِمْ بِالقَوْلِ أَنَّهُ سَيَشْفِي الرَّجُلَ المَفْلُوجَ لِإِثْبَاتِ أَنَّ لَدَيْهِ السُّلْطَةَ لِمَغْفِرَةِ الخَطِيَّةِ. إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ شِفَاءَهُ، فَذَلِكَ سَيَكُونُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَيْضًا أَنْ يَغْفِرَ لَهُ. لَقَدْ شَفَاهُ حَقًّا، وَدُهِشَ الْجَمِيعُ.
أَفَيَكُونُ يَسُوعُ إِذَنْ هُوَ اللَّهُ؟
كَاتِبٌ اسْمُهُ سِي. إِس. لِيُوِس لَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَسِيحِيًّا. بَعْدَ تَحَوُّلِهِ إِلَى المَسِيحِيَّةِ، حَاوَلَ أَنْ يُحَاجِجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ. أَرَادَ أَنْ يَقُودَ هَؤُلَاءِ النَّاسَ إِلَى مُوَاجَهَةِ بَعْضِ الوَاقِعِيَّاتِ عَنْ يَسُوعَ. جُزْءٌ مِمَّا كَتَبَهُ فِي كِتَابِهِ ”المَسِيحِيَّةُ المُجَرَّدَةُ“ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا المَقْطَعِ الَّذِي دَرَسْنَاهُ لِلتوِّ. يَقُولُ:
”بَيْنَ هَؤُلَاءِ اليَهُودِ يَظْهَرُ فَجْأَةً رَجُلٌ يَتَجَوَّلُ مُتَحَدِّثًا كَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ. يَزْعُمُ أَنَّهُ يَغْفِرُ الخَطَايَا. يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ مُوجُودًا دَائِمًا. يَقُولُ إِنَّهُ سَيَأْتِي لِيَدِينَ العَالَمَ فِي نِهَايَةِ الزَّمَانِ. لِنَكُنْ وَاضِحِينَ الآنَ. بَيْنَ الوَحْدَوِيِّينَ، مِثْلَ الهُنُودِ، قَدْ يَقُولُ أَيُّ أَحَدٍ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ مَعَ اللَّهِ: لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ غَرِيبٌ جِدًّا فِي ذَلِكَ. [حَسَبَ دِينِهِمْ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ هُوَ خَالِقَ الكَوْنِ؛ بَلْ هُوَ الكَوْنُ نَفْسُهُ. لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَوْجُودِ. عَلاَوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَاللَّهُ لَيْسَ شَخْصِيًّا حَسَبَهُمْ. إِنَّهُ قُوَّةٌ غَيْرُ شَخْصِيَّةٍ تُحَرِّكُ كُلَّ مَا هُوَ حَيٌّ. — ت.م] لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ، بِمَا أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِي ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ اللَّهِ. اللَّهُ، فِي لُغَتِهِمْ، كَانَ يَعْنِي الكَائِنَ خَارِجَ العَالَمِ، الَّذِي خَلَقَهُ وَكَانَ مُخْتَلِفًا إِلَى حَدٍّ لاَ نِهَايَةَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. وَعِنْدَمَا تُدْرِكُ ذَلِكَ، سَتَرَى أَنَّ مَا قَالَهُ هَذَا الرَّجُلُ كَانَ بِبَسَاطَةٍ أَكْثَرَ الأُمُورِ صَدْمَةً عَلَى الإِطْلَاقِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا شَفَتَانِ بَشَرِيَّتَانِ.
”جُزْءٌ مِنَ الدَّعْوَى يَمِيلُ إِلَى الانْزِلَاقِ خِلَالًا غَيْرَ مُلاحَظٍ لأَنَّنَا سَمِعْنَاهَا مِرَارًا كَثِيرَةً حَتَّى لَا نَعُودَ نَرَى مَا إِلَى أَيَّ حَدٍّ تَبْلُغُ. أَعْنِي بِذَلِكَ الدَّعْوَى إِلَى مَغْفِرَةِ الخَطَايَا: أَيِّ خَطَايَا. الْآنَ، إِلَّا إِذَا كَانَ المُتَكَلِّمُ هُوَ اللَّهُ، فَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ أَمْرٌ فِي غَايَةِ السُّخْرَةِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَصِيرُ هَزْلِيًّا. يُمْكِنُنَا جَمِيعًا أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ يَغْفِرُ الرَّجُلُ الجَرَائِمَ الَّتِي ارْتُكِبَتْ ضِدَّهُ. تَدُوسُ عَلَى أَصَابِعِ قَدَمَيَّ فَأَغْفِرُ لَكَ، تَسْرِقُ مَالِي فَأَغْفِرُ لَكَ. لَكِنْ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ فِي رَجُلٍ، لَمْ يُسْرَقْ هُوَ نَفْسُهُ وَلَمْ يُدَاسَ عَلَيْهِ، أَعلَنَ أَنَّهُ يَغْفِرُ لَكَ لأَجْلِ دَوْسِكَ عَلَى أَصَابِعِ قَدَمِ الآخَرِينَ وَسَرِقَةِ أَمْوَالِ الآخَرِينَ؟ إِنَّ حُمْقًا أَخْرَقَ هُوَ أَلْيَقُ وَصْفٍ نُمْكِنُ أَنْ نَصِفَ بِهِ سُلُوكَهُ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ مَا فَعَلَهُ يَسُوعُ. أَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّ خَطَايَاهُمْ مَغْفُورَةٌ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ قَطُّ لِيَسْتَشِيرَ جَمِيعَ الآخَرِينَ الَّذِينَ لَا شَكَّ أَنَّ خَطَايَاهُمْ قَدْ أَذَتْهُمْ. تَصَرَّفَ بِلاَ تَرَدُّدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الطَّرَفُ المُعَنَّى بِالذَّاتِ، الشَّخْصُ الأَسَاسِيُّ الَّذِي أُوذِيَ فِي جَمِيعِ الجَرَائِمِ. هَذَا يَكُونُ مَعْقُولًا فَقَطْ إِذَا كَانَ هُوَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ الَّذِي تُنْتَهَكُ شَرَائِعُهُ وَتُؤْذَى مَحَبَّتُهُ فِي كُلِّ خَطِيَّةٍ. فِي فَمِ أَيِّ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ، كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ سَتَعْنِي مَا لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَرَاهُ إِلَّا حَمَاقَةً وَغُرُورًا لَا يُضَاهِيهِمَا أَيُّ شَخْصِيَّةٍ أُخْرَى فِي التَّارِيخِ.
”وَ مَعَ ذَلِكَ (وَهَذَا هُوَ الشَّيْءُ الغَرِيبُ وَذُو الدَّلَالَةِ) حَتَّى أَعْدَاؤُهُ، عِنْدَمَا يَقْرَأُونَ الأنَاجِيلَ، لَا يَتَكَوَّنُ عِنْدَهُمْ عَادَةً انْطِبَاعٌ بِالحَمَاقَةِ وَالغُرُورِ. وَالأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ هُمُ القُرَّاءُ غَيْرُ المُتَحَيِّزِينَ. يَقُولُ المَسِيحُ إِنَّهُ «وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ» وَنَحْنُ نُصَدِّقُهُ؛ دُونَ أَنْ نُلاحِظَ أَنَّهُ، لَوْ كَانَ مُجَرَّدَ إِنْسَانٍ، لَكَانَتِ الوَدَاعَةُ وَالتَّوَاضُعُ هُمَا آخِرُ صِفَتَيْنِ يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْسِبَهُمَا إِلَى بَعْضِ أَقْوَالِهِ.
”أَنَا أُحَاوِلُ هُنَا أَنْ أَمْنَعَ أَيَّ أَحَدٍ مِنْ قَوْلِ الشَّيْءِ الحَمِقِ حَقًّا الَّذِي يَقُولُهُ النَّاسُ عَادَةً عَنْهُ: «أَنَا مُسْتَعِدٌّ لأَقْبَلَ يَسُوعَ كَمُعَلِّمٍ أَخْلَاقِيٍّ عَظِيمٍ، لكِنِّي لَا أَقْبَلُ دَعْوَاهُ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ.» هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الوَحِيدُ الَّذِي يَجِبُ أَلَّا نَقُولَهُ. إِنَّ رَجُلًا كَانَ مُجَرَّدَ إِنْسَانٍ وَقَالَ مِثْلَ هَذِهِ الأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا يَسُوعُ لَنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا أَخْلَاقِيًّا عَظِيمًا. سَيَكُونُ إِمَّا مَجْنُونًا — عَلَى نَفْسِ مُسْتَوَى الرَّجُلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ بَيْضَةٌ مَسْلُوقَةٌ — أَوْ إِلَّا فَسَيَكُونُ إِبْلِيسَ جَهَنَّمَ. يَجِبُ أَنْ تَخْتَارَ. إِمَّا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ، وَمَا يَزَالُ، ابْنَ اللَّهِ، أَوْ إِلَّا فَمَجْنُونٌ أَوْ شَيْءٌ أَسْوَأَ. يُمْكِنُكَ أَنْ تُسْكِتَهُ كَأَحْمَقَ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَبْصُقَ عَلَيْهِ وَتَقْتُلَهُ كَشَيْطَانٍ؛ أَوْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْقُطَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَتَدْعُوَهُ رَبًّا وَإِلَهًا. [لكِنْ إِذَا لَمْ تُصَنِّفْهُ كَنَبِيٍّ كَاذِبٍ أَوْ كَمَجْنُونٍ، إِذَا لَمْ تُرِدْ رَفْضَ شَخْصٍ يَعْتَرِفُ بِهِ حَتَّى القُرْآنُ عَلَى أَنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تُفَكِّرَ، وَبِعَقْلٍ مُنْفَتِحٍ، فِي دَعَاوَى يَسُوعَ. — ت.م] لكِنْ دَعْنَا لَا نَأْتِ بِأَيِّ هُرَاءٍ تَحَاطُرِيٍّ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلِّمًا بَشَرِيًّا عَظِيمًا. لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ مَفْتُوحًا لَنَا. لَمْ يَكُنْ هُوَ بِقَصْدِ ذَلِكَ.